25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم عشية انعقاد الدورة 34 للمؤتمر القومي العربي: المؤتمر والكتلة التاريخية (4)
عشية انعقاد الدورة 34 للمؤتمر القومي العربي: المؤتمر والكتلة التاريخية (4)
معن بشور
2025-11-03
عشية انعقاد الدورة 34 للمؤتمر القومي العربي:  المؤتمر والكتلة التاريخية (4)

 

كانت ولادة المؤتمر القومي العربي في نيسان/أبريل 1990 في تونس، نتيجة جهود فكرية وسياسية تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، مع مشروع "استشراف مستقبل الوطن العربي"، الذي أطلقه مركز دراسات الوحدة العربية، واستغرق سنوات من الندوات والدراسات للواقع العربي وآفاق تطوره، وللاحتمالات المستقبلية التي تحبل بها الأمة العربية. وتوّجها المركز بمبادرة كبرى شارك فيها عشرات المفكرين والباحثين والممارسين العرب من كافة أرجاء الوطن العربي، أطلقها من مركز دراسات الوحدة العربية ومديرها العام الراحل الدكتور خير الدين حسيب، ونخبة من المؤسسين البارزين على المستوى الفكري والنضالي العربي من المحيط إلى الخليج.

وبعد محاولات ومناقشات وندوات استغرقت عدة سنوات، وصل المشاركون إلى جملة خلاصات، أبرزها أن نجاح السيناريو الأفضل لمستقبل الأمة مرهون بأمرين رئيسيين: أولهما إطلاق مشروع نهضوي عربي، وثانيهما بناء كتلة تاريخية من مناضلين ومفكرين وسياسيين مؤمنين بهذا المشروع، وساعين إلى تعبئة طاقات الأمة، ومن كل تياراتها، والمؤمنين بأهداف هذا المشروع، بغض النظر عن خلفياتهم العقائدية، قومية ديمقراطية، أم إسلامية منفتحة، أم يسارية عربية، أم ليبرالية وطنية.

وفي الوقت الذي كان العمل منكبًّا على إعداد المشروع النهضوي العربي عبر ندوات ومؤتمرات ونقاشات، كان أبرزها "ندوة فاس" الكبرى عام 2002 في المغرب، وما تلاها من ندوات مصغرة حتى الإعلان عن المشروع في 22 شباط/فبراير 2010 (الذكرى الـ52 لميلاد الوحدة بين مصر وسورية)، وبعدها أعلن في بيروت في مؤتمر صحفي حاشد قدمه كل من الراحل الدكتور خير الدين حسيب والمفكر المغربي الذائع الصيت الدكتور عبد الإله بلقزيز وكاتب هذه السطور.

كان المشروع إعلانًا للعناصر الست التي يسعى لتحقيقها، وهي: الوحدة العربية، والديمقراطية، والاستقلال الوطني والقومي، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والتجدد الحضاري، مع التأكيد على أنه مشروع قابل للتطوير والإغناء مع تطورات الأحداث في الأمة.

كانت عناصر هذا المشروع الست، التي تبناها على مدى عقود كافة النهضويين العرب، هي المرتكزات الأساسية التي قام عليها المؤتمر القومي عام 1990، مشددًا على أنه ليس حزبًا جديدًا، بل هو إطار للتواصل والتفاعل بين حزبيين من كل التيارات النهضوية، ومفكرين ومناضلين مستقلين، وحريصين على استقلالية المؤتمر عن كل نظام رسمي عربي، على قاعدة أن لا تبعية ولا عداء مع الواقع الرسمي العربي.

من هنا، نجح المؤتمر في دوراته السنوية أن يحدد موقفه المبدئي والمسؤول من كل قضايا الأمة فيما أسماه بتقرير سياسي "حال الأمة"، وعبر بيانات ومبادرات لا تترك قضية رئيسية إلا ويكون للمؤتمر رأي فيها، تاركًا مهمة التعامل الميداني معها لأعضائه في الأحزاب والنقابات والمنابر الفكرية والثقافية والإعلامية داخل أقطارهم.

وكانت قضية فلسطين، وكل ما يتصل بها من مقاومة ومواقف مبدئية، هي عنوان اهتمامات المؤتمر منذ بيانه التاريخي المبكر عام 1991 المعترض على "مؤتمر مدريد للسلام"، وموقفه المتميز برفضه للاحتلال العراقي للكويت، ومساندته في الوقت ذاته للعراق في مقاومته للغزو الاستعماري والحصار والاحتلال الأميركي - البريطاني للعراق منذ عام 1990 حتى الغزو الأميركي عام 2003.

وتابع المؤتمر مسيرته في الانتصار لكل مقاومة عربية وإسلامية للغزو الخارجي وللفتنة الداخلية، ورفضه لكل عسف أو قهر أو استبداد، محذرًا على الدوام من استغلال توق الأمة إلى الحرية والكرامة لخدمة المخططات الاستعمارية المشبوهة، متبنيًا شعار "نعم للمطالب المشروعة ولا للأجندات المشبوهة" خلال ما سمي بـ"الربيع العربي".

ولقد عرضت هذه المواقف المؤتمر إلى حملات متعددة الجهات والأهداف لثنيه عن مواقفه المبدئية والبعيدة عن كل حسابات ضيقة طالما دفعت الأمة ثمنها غاليًا، بل واجه المؤتمر بسبب استقلاليته ومبدئيته حصارًا سياسيًا وإعلاميًا وماديًا، وصل إلى حد وضع أسماء بعض مؤسسيه على لوائح الملاحقة أو عبر الإشاعات الكاذبة في بعض الأنظمة بسبب مواقفهم الوطنية والقومية المستقلة.

وإذا كان المجال لا يتسع هنا للإشارة إلى مختلف المواقف والمبادرات التي أطلقها المؤتمر في كافة القضايا المصيرية على امتداد الأمة، لاسيما قضايا المقاومة والعدالة والكرامة الوطنية، فإن للمؤتمر أن يفتخر بأنه لم يغب عن إعلان موقف من قضايا الأمة والإنسان في بلادنا، تاركًا أمر ملاحقة التصدي الميداني لهذه القضايا لأعضائه في كافة الأقطار والمهاجر، وهو ما عرضه لحملات تشويه وتحريض من جهات تبدو أحيانًا متناقضة ولكنها متفقة على محاربة كل جهد يسعى إلى ترجمة أحلام الأمة إلى حقائق، بل يسعى إلى لمّ الشمل وتحصين الأمة من كل الآفات والأمراض والعصبيات المريضة.

حتى يمكننا القول إن الحملات على المؤتمر القومي العربي تعبّر عن رغبات دفينة تستهدف كل محاولة لرفع شأن الأمة وتعزيز إرادة النهوض والتحرر فيها.

لقد نجح المؤتمر منذ تأسيسه في إطلاق روح الكتلة التاريخية، وسعى عبر تأسيس المؤتمر القومي – الإسلامي، والمؤتمر العام للأحزاب العربية، ثم مؤسسة القدس الدولية، ثم المؤتمر العربي العام الذي ضم أيضًا الجبهة العربية التقدمية، ويسعى اليوم إلى ضم قوى وشخصيات جديدة، لكي تتحول الكتلة التاريخية إلى قوى فاعلة على مستوى الوطن الكبير كما على مستوى كل قطر عربي.

أخبار مماثلة