لَيْسَ المَوْقِفُ أَصْوَاتًا مُتَنَاثِرَةً، وَلَا حُرُوفًا مُتَرَاكِمَةً فِي سُطُورٍ بَارِدَةٍ؛ إِنَّمَا هُوَ نَبْضَةُ رُوحٍ، وَصَدَى عَقْلٍ، وَصُورَةُ إِنْسَانٍ. وَإِذَا كَانَتِ الأُمَمُ تُقَاسُ بِمَا تُنْتِجُهُ مِنْ أَفْكَارٍ، فَإِنَّ أَفْكَارَهَا لَا تَجِدُ سَبِيلًا إِلَى الحَيَاةِ إِلَّا بِالمَوْقِفِ الَّذِي يَحْمِلُهَا، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا، وَيَبْنِي لَهَا جُسُورَ العُبُورِ إِلَى العُقُولِ وَالأَفْئِدَةِ.
وَفِي عَصْرِنَا هَذَا، حَيْثُ تَتَدَافَعُ المَعَانِي، وَتَتَكَاثَفُ الأَصْوَاتُ، وَتَتَنَافَسُ المَنَابِرُ، أَصْبَحَ المَوْقِفُ الصَّادِقُ أَشْبَهَ بِقَطْرَةِ مَاءِ فِي صَحْرَاءٍ مُمْلِحَةٍ، أَوْ بِشُعَاعِ نُورٍ يَخْتَرِقُ غُبَارَ الفَوْضَى. فَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى أَنْ نُفَكِّرَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ مَوْقِفًا، وَأَنْ نَزِنَ المَوْقِفَ قَبْلَ أَنْ نُعْلِنَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ جِسْرًا إِلَى المَوَدَّةِ أَوْ مِعْوَلًا لِلهَدْمِ، وَقَدْ يُصْبِحُ بُذُورًا لِلْحَقِّ أَوْ سِهَامًا لِلْبَاطِلِ.
إِنَّ المَوْقِفَ لَيْسَ ملْكًا لِصَاحِبِهِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ دَيْنٌ فِي عُنُقِهِ أَمَامَ نَفْسِهِ وَأُمَّتِهِ وَتَارِيخِهِ. وَمَنْ أَعْلَنَ مَوْقِفًا فِي النَّاسِ، فَإِنَّمَا يَزْرَعُ فِي أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يُنْبِتَ زَهْرًا يَسْتَظِلُّ بِهِ الجَمِيعُ، وَإِمَّا أَنْ يَنْثُرَ شَوْكًا يُؤْذِي الجَمِيعَ.
فَلْنُدْرِكْ –وَنَحْنُ نَتَّخِذُ مَوَاقِفَنَا وَنُعْلِنُهَا– أَنَّ المَوْقِفَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّهُ إِذَا صَدَرَ مِـنَّا فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَيْنَا، بَلْ يَبْقَى يَدُورُ فِي الفَضَاءِ وَيُؤَثِّرُ فِي الأَجْيَالِ. وَمَا أَحْوَجَ الإِنسَانَ الْيَوْمَ، فِي زَمَنِ الضَّجِيجِ وَالتَّشَتُّتِ، إِلَى أَنْ يَتَحَلَّى بِحِكْمَةِ الصَّمْتِ حِينَ يَكُونُ الصَّمْتُ أَبْلَغَ، وَبِشَجَاعَةِ المَوْقِفِ حِينَ يَكُونُ المَوْقِفُ أَوْجَبَ.
وَبِذَلِكَ يَتَجَلَّى الحَقُّ أَنَّ المَوْقِفَ –فِي أَصْلِهِ– تَنَاغمٌ دَقِيقٌ بَيْنَ أَمَانَةٍ تُحَافِظُ عَلَى القِيَمِ، وَجُرْأَةٍ تَصْنَعُ التَّغْيِيرَ.