وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، صرخةٌ قُرآنيَّةٌ خالدةٌ، تُدوِّي في أسماعِ البشريَّة منذ أربعةَ عشرَ قرنًا، ولا تزالُ راهنةَ المعنى، متجدِّدةَ الدَّلالة، كأنَّها نزلت صباحَ هذا اليوم، تخاطبُ ضميرَ الإنسان في سوقِه وتبادُلاته، في بيعِه وشرائِه، في ميزانِه وكيلِه.
إنَّ التطفيفَ ـ في جوهرِه ـ ليسَ مجرَّدَ غشٍّ في المكيالِ والميزانِ، وإنَّما هو انحرافٌ في القيمِ، وخيانةٌ للأمانةِ، وتلاعبٌ بالحقِّ الذي هو أساسُ العمران. فمَن بَخَسَ الناسَ أشياءَهم، وسَرَقَ جُهدَهم، وغَضَّ من حقوقِهم، إنَّما يَغُضُّ أوَّلًا من إنسانيَّتِه قبل أن يَغُضَّ من كَيلِهم.
لقد أرادَ القرآنُ الكريم أن يُرسِّخَ قاعدةً أبديَّةً في الاجتماعِ البشريِّ: العدلُ هو رُوحُ التِّجارةِ، وهو قوامُ السوقِ، وهو صِمَامُ الأمانِ بين الحاكمِ والمحكومِ، وبين البائعِ والمُشتري، وبين الغنيِّ والفقيرِ. فإذا انهارَ ميزانُ العدلِ، واستحكمَ التطفيفُ في المعاملات، فإنَّ السُّوقَ يفسُدُ، والدَّولةَ تضعُفُ، والمجتمعَ يتداعى، مهما رُفِعَت فيه من شعاراتٍ برّاقةٍ.
وإنَّ لبنانَ، الذي يَختبِرُ في أيَّامِنا أشدَّ أزماتهِ الماليَّةِ والاقتصاديَّةِ، بأمسِّ الحاجةِ إلى استذكارِ هذا التحذيرِ الإلهيِّ البليغ. فالتطفيفُ اليومَ لم يَعُد مقصورًا على نقصِ "الغراماتِ" في الميزانِ، بل صارَ يتمثَّلُ في تلاعبِ الأسعارِ، واحتكارِ السِّلعِ، والتلاعبِ بالعملةِ، والتستُّرِ على الغشِّ، وإيهامِ الناسِ بغيرِ الحقيقة. أليسَ هذا تطفيفًا أكبرَ وأخطرَ من تطفيفِ المكيالِ؟
إنَّ النُّصوصَ الشرعيَّةَ تُنبِّهُنا أنَّ المجتمعاتِ لا تُدمَّرُ من الخارجِ ما لم تنهشها خيانةُ الداخلِ. و"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ" ليس مجرَّد وعيدٍ فرديٍّ، بل هو إنذارٌ جماعيٌّ لأمَّةٍ قد تَهوي بأكملِها إن هي استمرأت الغشَّ والفسادَ والتطفيفَ في كلِّ مجالاتِ حياتها.
فيا أيُّها المسؤولونَ في مواقعِكم، ويا أيُّها التُّجَّارُ في أسواقِكم، ويا أيُّها النَّاسُ في معاملاتِكم: أَعيدوا الميزانَ إلى نصابِه، وأَقيموا العدلَ في كيلِكم وقسطاسِكم، لعلَّ اللهَ يرحمُ هذا الوطنَ ويُنجِّيه من ويلٍ قد أظلَّ أفقَه.
وَصَدَقَ اللهُ العظيم إذ قال:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.