24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم مغارة جعيتا... ذاكرة الماء والصخر
مغارة جعيتا... ذاكرة الماء والصخر
آية يوسف المسلماني
2025-11-04
مغارة جعيتا... ذاكرة الماء والصخر

في عمق الجبل اللبناني، تنبض مغارة جعيتا كقلبٍ من حجرٍ حيّ.
أنفاس الماء تهمس بين تجاويفها، وصدى الزمن يروي حكاية آلاف السنين من النحت الطبيعي، حيث صاغت القطرة صخرها بصبرٍ يفوق صبر الإنسان.
ذاك المكان لم يكن يوماً مجرّد معلم سياحي، بل ذاكرة وطن ووجدان طبيعة صافية، يليق به الصمت، لا الصخب.
لطالما شدّد القيّمون على ضرورة احترام المغارة، حتى في أبسط التفاصيل.
التصوير بالفلاش ممنوع، لأن الضوء يؤذي الصخور الحسّاسة التي تحتاج الظلمة لتتنفّس.
كان كل زائر يدخلها كما لو أنه يدخل معبداً من نورٍ خافت، ودهشة مقدّسة.
لكنّ القداسة انتهكت.
انتشر مقطع فيديو يوثّق إقامة حفل زفاف داخل المغارة، وسط موسيقى وأضواء صاخبة ومكبرات تصدح في قلب الصخر.
هكذا تحوّلت ذاكرة الماء إلى قاعة للاحتفال، والمكان الذي خُلق للصمت تحوّل إلى مسرح للضجيج.
التبريرات التي صدرت عن إدارة المغارة كانت أقرب إلى السخرية من الوجع، إذ قيل إنّ "الناس أقاموا عرساً ودفعوا قرشين لننظّف المغارة".
أي عبثٍ هذا؟
وهل أصبحت الرمزية الوطنية قابلة للمساومة بهذا الشكل؟
أحقّاً باتت صيانة التراث رهينة مناسبة خاصة؟
وزارة السياحة سارعت إلى إصدار بيانٍ رسمي، أعلنت فيه أنّها ستوجّه كتاب إنذار إلى بلدية جعيتا، مطالبة بالالتزام الكامل بالعقد ومنع أي نشاطٍ مماثل من دون إذنٍ مسبق.
خطوة ضرورية، نعم، لكنها لا تمحو أثر ما حدث، ولا تعيد الصدى النقي الذي اختلط بالأغاني.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً...
إذا كانت فلاشات الهواتف تُمنع حرصاً على الصخور، فكيف لم تؤذِها الأضواء الملوّنة، و"السبيكرات"، والجموع الراقصة؟
هل تغيّر تركيب الحجر؟
أم تغيّر فهمنا لهيبة المكان؟
مغارة جعيتا ليست صالة أفراح.
إنها ذاكرة وطن محفورة في قلب الجبل، درسٌ في الصبر والجمال، ومرآة لما يمكن أن يبلغه الإنسان من احترام للطبيعة، أو من استهتارٍ بها.
احموا المغارة، قبل أن يُطفأ فيها الضوء الأخير، ويغرق الصدى في صمته الأبدي.

جنوبيات
أخبار مماثلة