يا أُمَّاهُ،
يَا نَبْضَ الرَّحْمَةِ إِذَا جَفَّ فِي الأَرْضِ نَبْعُهَا،
يَا ظِلَّ العَطْفِ إِذَا احْتَرَقَ فِي الدُّنْيَا ظِلُّ الأَمَانِ.
كَيْفَ أَنْسَاكِ؟
وَقَدْ خُلِقَ المَسَاءُ عَلَى مِقْيَاسِ حَنَانِكِ،
وَانْثَالَ نُورُ القَمَرِ مِنْ مُقْلَتَيْكِ حِينَ كَانَ اللَّيْلُ صَغِيرًا.
أَيَّتُهَا المَاضِيَةُ عَنِّي،
وَالحَاضِرَةُ فِيَّ كَالدُّعَاءِ،
مَا غِبْتِ... بَلْ غَابَ زَمَانٌ كَانَ يَفْهَمُنِي إِذَا نَادَيْتُ: "أُمِّي!"
كُنْتِ مِفْتَاحَ كُلِّ صَبَاحٍ،
وَبسْمَتكِ مِفْتَاحَ كُلِّ قَدَرٍ جَمِيلٍ،
وَكُلَّمَا ضَاقَتِ الأَيَّامُ،
سَكَنْتُ فِي ظِلِّ ذِكْرَاكِ كَمَنْ يَعُودُ إِلَى وَطَنٍ نَقِيٍّ.
هَلْ يَعْلَمُ المَوْتُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْكِ؟
بَلْ أَطْلَقَكِ كَالنُّورِ فِي فَضَاءِ الرَّحْمَةِ؟
هَلْ يَعْلَمُ أَنَّ صَوْتَكِ مَا زَالَ يُهَدْهِدُ قَلْبِي
كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَأَنَا فِي حِضْنِ الطُّفُولَةِ؟
يَا سَيِّدَةَ البَدْءِ وَالخِتَامِ،
يَا أَوَّلَ سُجُودِي وَآخِرَ دَمْعَتِي،
مَا عُدْتُ أَرَى فِي المَرَايَا سِوَى وَجْهِكِ،
وَمَا سَمِعْتُ فِي النُّجُومِ سِوَى نِدَائِكِ.
إِنِّي لَأَسْكُنُ ذِكْرَاكِ كَمَنْ يَسْكُنُ دُعَاءً لا يَفْنَى،
وَأَكْتُبُكِ فِي الشِّعْرِ كَمَنْ يُقِيمُ صَلَاتَهُ بِالقَلَمِ،
فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ اللِّقَاءِ،
سَأَعْرِفُكِ مِنْ عِطْرِ الرِّضَا الَّذِي لَنْ يُشْبِهَهُ عِطْرٌ.
فَنَامِي، يَا أمِيرَتِي الغَالِيَةُ،
فَالسَّمَاءُ تَحْرُسُ نَوْمَكِ،
وَالأَرْضُ تُنْشِدُ لَكِ،
وَكُلُّ قَلْبٍ صَالِحٍ يَذْكُرُكِ كَآيَةٍ نَزَلَتْ مِنْ رَحْمَةِ الله.