في الحياةِ مواقفُ تُجبرُ الإنسانَ أن يُعيدَ ترتيبَ دوائرِ القُربِ من حولِه، وأن يضعَ حواجزَ غيرَ مرئيَّةٍ بينهُ وبينَ الآخرين.
ليست تلك الحواجزُ قناعةً بقدرِ ما هي دروسٌ اكتسبَها من كِتابِ التجاربِ الذي لا يرغبُ في قراءتِه مرّةً أُخرى. فبعضُ الصفحاتِ في حياتِنا تُكتَبُ بألمٍ، لا بالحبرِ، وتُطوى لا لِتُنسى، بل لئلّا تتكرَّر.
كم من قلبٍ أودعَ ثقتَه في غيرِ موضعِها، فخرجَ منها مثقوبًا كالورقِ المبتلّ! وكم من روحٍ ظنَّت أنَّ النقاءَ يُقابَلُ بالنقاء، فاكتشفت أنَّ الصفاءَ في هذا العالمِ سلعةٌ نادرةٌ لا تُعرضُ إلّا في أسواقِ القلوبِ الصادقة.
حين يذوقُ المرءُ طعمَ الخيبةِ مرّةً، يُدرك أنَّ السلامَ الحقيقيَّ لا يكونُ في الاتِّساعِ، بل في الانكماشِ الواعي؛ وأنَّ الحكمةَ ليست في كَثرةِ العلاقاتِ، بل في صفاءِ النِّيّاتِ، وفي فنِّ الابتعادِ دونَ جفاءٍ، والقربِ دونَ انكشافٍ.
فالنُّضجُ لا يعني أن تُحبَّ أكثر، بل أن تُميِّزَ أكثر. لا يعني أن تُعطي بلا حسابٍ، بل أن تعرفَ لمن تُعطي، ومتى تكفُّ عن العطاءِ صونًا لكرامةِ روحِك.
الحواجزُ التي نبنيها بعد التجاربِ ليست أسوارَ خوفٍ، بل سياجَ وعيٍ. إنّها خطوطٌ رقيقةٌ نرسمُها حولَ القلبِ لا لنعزلَ أنفسَنا، بل لِنُهذِّبَ حضورَ الآخرين في حياتِنا. هي تربيةُ النَّفسِ على أنَّ الصدقَ لا يفرِضُ السذاجةَ، وأنَّ الطيبةَ لا تُساوي الغفلةَ، وأنَّ العفوَ لا يعني فتحَ الأبوابِ ذاتِها مرّةً أُخرى.
فالنُّضجُ هو أن تُدركَ أنَّ بعضَ البشرِ دروسٌ، لا رفاقٌ، وأنَّ التجاهلَ أحيانًا أرقى من المواجهةِ، وأنَّ الصمتَ في وجهِ الإساءةِ أبلغُ من كلِّ خطاب. هو أن تتعلَّمَ كيفَ تُغلقُ بابًا دونَ ضجيجٍ، وتمضي مُبتسمًا لأنَّك أدركتَ أنَّ الكرامةَ أحيانًا أثمنُ من أيِّ تبريرٍ.
في نهايةِ المطاف، ليسَت الحواجزُ التي نضعُها حولَنا سوى انعكاسٍ لنُضجِنا العاطفيِّ والفكريِّ. إنّها دليلٌ على أنّنا تعلَّمنا من الألمِ، لا أنَّنا انهزمنا أمامَه. فكلُّ تجربةٍ تُوجِعُنا قليلًا، لكنَّها تُهذِّبُ فينا الكثيرَ، وتُعيدُ تشكيلَنا على مهلٍ، حتى نصيرَ أكثرَ حِكمةً وأقلَّ عَتَبًا.
فاحمِ قلبَكَ بالحكمةِ، لا بالقسوةِ، وابنِ حواجزَك بالوعيِ، لا بالظنِّ، وامضِ في حياتِك خفيفَ الرُّوحِ، واثقَ الخُطى، عارفًا أنَّ السلامَ الحقيقيَّ يبدأ من حدودٍ تُرسمُ بالمحبةِ، وتُصانُ بالعقلِ.