26 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "التَّغْيِيرُ لَيْسَ خِيَاراً... بَلْ ضَرُورَة"!
"التَّغْيِيرُ لَيْسَ خِيَاراً... بَلْ ضَرُورَة"!
القاضي م جمال الحلو
2025-11-09
"التَّغْيِيرُ لَيْسَ خِيَاراً... بَلْ ضَرُورَة"!

الحَيَاةُ فِي جَوْهَرِهَا سَيْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَمَدٌّ وَجَزْرٌ، وَصُعُودٌ وَهُبُوطٌ. لَا تَثْبُتُ عَلَى حَالٍ، وَلَا تَسْتَقِرُّ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الزَّمَانَ يُجَمِّدُ مَشَاهِدَهُ، أَوْ أَنَّ الوَاقِعَ يُبْقِي عَلَى أَطْلَالِهِ كَمَا هِيَ، فَقَدْ أَخْطَأَ فِي حَقِيقَةِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. إِنَّ التَّغْيِيرَ لَيْسَ تَرَفاً يُخَيَّرُ فِيهِ العَاقِلُ، وَلَا بَاباً يُفْتَحُ أَوْ يُغْلَقُ وَفْقَ الأَهْوَاءِ، بَلْ هُوَ قَانُونُ الحَيَاةِ، وَسُنَّةُ النَّهْضَةِ، وَشَرْطُ البَقَاءِ.

وَلَوْ نَظَرْنَا فِي التَّارِيخِ، لَرَأَيْنَا أَنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَخَلَّفَتْ كَانَتْ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي عَانَدَتْ سُنَنَ التَّغْيِيرِ، وَأَصَرَّتْ عَلَى البَقَاءِ فِي قَوَاعِدِ القِدَمِ وَأَطْبَاقِ الجُمُودِ. فَصَارَتْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ، وَذِكْرَى تُتْلَى فِي صُحُفِ الأَخْبَارِ. وَفِي المُقَابِلِ، لَمْ تَبْرُزْ أُمَّةٌ فِي مَسَارِ الحَضَارَةِ، وَلَمْ تَصْنَعْ مَجْداً، إِلَّا لِأَنَّهَا أَحْسَنَتْ فَهْمَ لُغَةِ التَّغْيِيرِ، وَانْحَنَتْ لِرِيَاحِهِ دُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ، فَانْدَفَعَتْ بِقُوَّتِهِ نَحْوَ آفَاقٍ أَعْرَضَ وَآمَالٍ أَكْبَرَ.

إِنَّ العَالَمَ اليَوْمَ يَسِيرُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، فِي العِلْمِ وَالتِّقْنِيَةِ وَالفِكْرِ وَالسِّيَاسَةِ وَالاقْتِصَادِ. وَالَّذِي يَظُنُّ أَنَّ بَقَاءَهُ عَلَى مَا أَلِفَ وَاعْتَادَ يَكْفِيهِ، يُشْبِهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُبْحِرَ فِي بَحْرٍ عَاصِفٍ بِسَفِينَةٍ مَخْرُومَةٍ. فَلَا مَفَرَّ إِلَّا بِإِصْلَاحٍ وَتَطْوِيرٍ وَتَجْدِيدٍ.

وَلَكِنَّ التَّغْيِيرَ المَطْلُوبَ لَيْسَ فَوْضَى تَجْرِيفٍ، وَلَا قَطِيعَةً مَعَ الأُصُولِ. إِنَّهُ مِزَاجٌ دَقِيقٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الأَصَالَةِ وَالمُعَاصَرَةِ، بَيْنَ الثَّوَابِتِ وَالمُتَغَيِّرَاتِ. فَإِذَا أَحْسَنَ الإِنْسَانُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ مَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى، وَمَا يَجِبُ أَنْ يَتَجَدَّدَ، فَقَدْ وَقَفَ عَلَى جِسْرِ النَّهْضَةِ.

إِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى تَغْيِيرٍ فِي العُقُولِ قَبْلَ تَغْيِيرِ النُّظُمِ، وَإِلَى إِصْلَاحٍ فِي القِيَمِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الأَدَوَاتِ. فَالتَّغْيِيرُ الحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ، ثُمَّ يَسْرِي فِي مَجَارِي الحَيَاةِ كَالمَاءِ النَّقِيِّ الَّذِي يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.

فَلْنَتَذَكَّرْ دَوْماً: أَنَّ البَقَاءَ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مَجَرَّدُ وَهْمٍ، وَأَنَّ الحَيَاةَ تَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَغَيَّرَ، سَوَاءٌ شِئْنَا أَمْ أَبَيْنَا. فَإِمَّا أَنْ نَكُونَ رُوَّادَ تَغْيِيرٍ، نَرْسُمُ خُطُوطَهُ وَنُحَدِّدُ مَسَارَهُ، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَسْرَى لِتَغْيِيرٍ يُفْرَضُ عَلَيْنَا، فَنَجِدُ أَنْفُسَنَا خَارِجَ سِيَاقِ الحَيَاةِ وَركْبِ التَّارِيخِ.

فَالتَّغْيِيرُ – يَا سَادَةُ – لَيْسَ خِيَاراً نَتَدَاوَلُهُ، بَلْ ضَرُورَةً نَحْيَا بِهَا وَنَسْتَمِرُّ.

جنوبيات
أخبار مماثلة