مَا أَعْظَمَ الْقِرَاءَةَ وَمَا أَجْمَلَ أَثَرَهَا فِي النُّفُوسِ! فَهِيَ نَافِذَةٌ تَنْفُذُ إِلَى الْعُقُولِ، وَجِسْرٌ يَرْبُطُ الْإِنْسَانَ بِالْعَالَمِ، وَسِرَاجٌ يُضِيءُ الطَّرِيقَ فِي دُجَى الْجَهْلِ وَظُلُمَاتِ الضَّلَالِ. الْقِرَاءَةُ هِيَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي يُفْتَحُ بِهِ بَابُ الْمَعْرِفَةِ، وَهِيَ الْمَاءُ الْعَذْبُ الَّذِي يَسْقِي رُوحَ الْإِنْسَانِ، فَيُحْيِي فِيهِ زُرُوعَ الْفِكْرِ وَيُنْبِتُ أَزَاهِيرَ الْحِكْمَةِ.
إِنَّ مَنْ يُدْمِنُ الْقِرَاءَةَ يَسِيرُ فِي رِحْلَةٍ بِلَا نِهَايَةٍ؛ يَطُوفُ فِي أَرْجَاءِ التَّارِيخِ، فَيَعِيشُ مَع الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، وَيَصْحَبُ الْقَادَةَ وَالْعُظَمَاءَ، وَيَجُوبُ الْآفَاقَ وَالْبِلَادَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكْتَبِهِ أَوْ عَلَى سَرِيرِهِ. مَا أَعْجَبَهَا مِنْ مُتْعَةٍ تَنْقُلُ الْإِنْسَانَ مِنْ عَالَمٍ إِلَى عَالَمٍ، وَتُرْسِلُهُ فِي سَفَرٍ لَا يكلّفُهُ مَشَقَّةً وَلَا عَنَاءً.
الْكُتُبُ أَصْدَقُ الْأَصْدِقَاءِ، لَا تَخُونُ صَاحِبَهَا وَلَا تُفَارِقُهُ، فَإِذَا مَلَّ النَّاسُ مِنَّا أَوِ انْصَرَفُوا، بَقِيَتِ الْكُتُبُ رَفِيقَةً لَنَا، تُحَادِثُنَا فَتُسْعِدنَا، وَتُوَاسِينَا فَتُؤْنِسنَا، وَتُثْرِي أَفْكَارَنَا فَتَرْفَعُنَا. وَقَدْ قَالَ أَحَدُ الْحُكَمَاءِ: "مَنْ قَرَأَ كَثِيرًا، عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ."
إِنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا وَلَا تَسْلِيَةً فَحَسْب، بَلْ هِيَ فَرِيضَةُ الْعَقْلِ وَزَادُ الرُّوحِ. وَالْأُمَمُ الَّتِي لَا تَقْرَأُ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْنِيَ حَضَارَةً وَلَا أَنْ تَحْمِيَ هُوِيَّتَهَا. وَقَدْ صَارَتِ الْقِرَاءَةُ فِي زَمَانِنَا هَذَا جِسْرًا لِلتَّقَدُّمِ وَأَسَاسًا لِكُلِّ نُهُوضٍ وَإِبْدَاعٍ.
فَلْنَجْعَلِ الْكِتَابَ صَاحِبَنَا الْأَوَّلَ، وَلْنَجْعَلِ الْقِرَاءَةَ عَادَةً يَوْمِيَّةً، نَفْتَتِحُ بِهَا يَوْمَنَا وَنَخْتِمُهُ عَلَى أَنْوَارِهَا. وَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ قَصِيرَةً، فَإِنَّ الْكُتُبَ تُطِيلُهَا بِالْمَعْرِفَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَيَّامُ فَانِيَةً، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي نَجْنِيهَا مِنْهَا بَاقِيَةٌ.
فَمَا أَسْعَدَ مَنْ عَرَفَ مُتْعَةَ الْقِرَاءَةِ، وَمَا أَرْقَى مَنْ اتَّخَذَهَا زَادًا وَرِفَاقًا فِي سَفَرِ الْحَيَاةِ، فَبِهَا تَسْمُو الْأَرْوَاحُ، وَتَزْهُو الْعُقُولُ، وَيَبْقَى أَثَرُ الْإِنْسَانِ بَاقِيًا مَا بَقِيَ الْكِتَابُ وَالْكَلِمَاتُ.