يَظُنُّ الظَّالِمُ أَنَّ السُّلْطَةَ تُخَلِّدُهُ، وَأَنَّ الْمَالَ يَحْفَظُهُ، وَأَنَّ الْجُنُودَ تَصُوغُ لَهُ حِصْنًا يَظُنُّهُ لَا يُخْتَرَقُ. يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ بِقَرَارٍ يُطْمِسُ الْحَقَّ، وَبِقَبْضَةٍ يَخْنُقُ الْعَدْلَ، وَبِهَيْبَةٍ زَائِفَةٍ يُسْكِتُ الأَصْوَاتَ. وَلَكِنَّ الْقَانُونَ الأَزَلِيَّ يُعْلِنُ حَقِيقَةً وَاحِدَةً: لَا ظَالِمَ يَنْجُو، وَلِكُلِّ جُرْمٍ ثَمَنٌ.
اللَّهُ سُبْحَانَهُ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ. يُتِيحُ لِلظَّالِمِ فُرْصَةً لِيَكْشِفَ نَفْسَهُ، فَيَزْدَادُ بَغْيُهُ وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكَيْلُ تَمَامَهُ، أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَةً لَا فِرَارَ مِنْهَا. وَالتَّارِيخُ شَاهِدٌ: كَمْ مِنْ مُسْتَبِدٍّ طَغَى، فَسَقَطَ سُقُوطًا مُذِلًّا، تَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
ثَمَنُ الظُّلْمِ لَيْسَ فِي زَوَالِ السُّلْطَةِ وَحَسْبْ، بَلْ فِي خُسْرَانِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَذُلِّ الذِّكْرِ، وَمَرَارَةِ النِّهَايَةِ. فَأَصْعَبُ مَا يُصَابُ بِهِ الظَّالِمُ أَنْ يَبْقَى مُطَارَدًا بِخَوْفٍ لَا يُفَارِقُهُ، وَبِذَنْبٍ لَا يُغْفَرُ، وَبِشُبْحٍ يَطْلُبُ حِسَابًا لَمْ يُؤَدِّهِ.
أَمَّا الْمَظْلُومُ، فَلْيَطْمَئِنَّ أَنَّ حَقَّهُ مَكْفُولٌ، وَصَبْرَهُ مَكْتُوبٌ. فَإِذَا غَفَلَتْ عُيُونُ الْبَشَرِ، فَعَيْنُ اللهِ لَا تَغْفُلُ، وَإِذَا تَأَخَّرَ الْقَانُونُ، فَقَانُونُ السَّمَاءِ أَدَقُّ وَأَعْدَلُ.
وَالنَّتِيجَةُ الحَتْميّة: أَنَّ اللهَ يَثْأَرُ لِلْمَظْلُومِ، فَيُرِيهِ بَعَيْنِهِ كَيْفَ يَنْكَسِرُ الْجَبَّارُ الَّذِي طَالَ بَغْيُهُ. يُسَاقُ الظَّالِمُ إِلَى مَصِيرِهِ مَذْمُومًا مَحْقُورًا، وَيَشْهَدُ الْمَظْلُومُ بِنَصْرِ اللهِ مَا لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَرَاهُ. فَيَتَحَقَّقُ الْوَعْدُ الْقُرْآنِيُّ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
إِنَّهُ الْوَعْدُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
وَسَيَبْقَى صَوْتُ الْحَقِّ يَصْدَحُ: مَهْمَا عَلَا الظُّلْمُ وَاسْتَفْحَلَ، فَثَمَنُهُ حَتْمًا مَدْفُوعٌ، فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ.