24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة عسل البحر: سِفرُ الصبرِ الأبدي ومناجاة الروح في صيدا
عسل البحر: سِفرُ الصبرِ الأبدي ومناجاة الروح في صيدا
علي خليل ترحيني
2025-11-18
عسل البحر: سِفرُ الصبرِ الأبدي ومناجاة الروح في صيدا

"عسل البحر" هو قيثارة الوجود التي تُنشد لحنًا يُعلّم أن الحِكمة لا تُستخلص إلا من أشدِّ المالح، وأن الصيادين يُحوّلون الشقاء إلى ترياقٍ روحي، جاعلين من عرق الجباه على أجاج الملح، جوهراً حلواً يُصان به الإرث.

على حافة الزمن، حيث يمتد شاطئ صيدا كـلوحٍ من ذاكرة مفتوحة، تقف المدينة التي يحضنها المُحيط الأزلي، تُبث فيها الحياة من كل موجة تعود تحمل غنيمة الأعماق، لتستمر النبضات المتجذرة في التاريخ. هنا، على هذا المَدَى المالح، يقف مركب "عسل البحر"، لا كقارب، بل كـآيةٍ مُعلّقة، شاهدًا أزليًا على حكاية صياد، نحت أيامه لا بماء أُجاج الملح، بل بعرقه وروح اليقين، ليصنع من شقائه عسلاً يُروى.

إن "عسل البحر" هو هيكلُ الإرادة المنسوجة من صنوبر القرون؛ لم يعد خشبه جسدًا عابرًا، بل أرشيفٌ مُقدَّس خُطّت فيه سير الأجداد بـملوحة لم تزدها إلا صفاءً ومهابة. فالصياد هنا، ورث عن أسلافه عبورًا كاملاً للزمن، وشقاوةً محببة غدت فلسفة حياة. تلك التجاعيد على وجهه، ليست علامات شيخوخة، بل خرائط إنسانية تُوثّق الكفاح اليومي؛ فهو يخرج قبل الفجر، حاملاً على ظهره ثقل العائلة والمجتمع، يواجه اللجة التي باتت بخيلة بعد أن كانت كريمة. فـ"قلة الرزقة والسمك" ليست مجرد شكوى، بل هي مُعادلة اقتصادية قاسية تُحوّل الكدح إلى محاولة للبقاء تحت خط الفقر. ورغم هذا الشقاء، يظل "عسل البحر" يُبحر، ليثبت أن الإرث أقوى من الأزمة.

على أطراف المرفأ، تنعكس عادات وتقاليد صيدا العريقة في كل تفصيل، حيث يمتلك الصيادون لغتهم الخاصة، كأنها "أَبجدية" بين الماء والإنسان. فـ"النوة" ليست مجرد عاصفة، بل هي امتحان للإيمان، و"الميرة" هي سوقُ غنيمة الأعماق، الذي يتحول إلى منتدى للتكافل الاجتماعي، حيث تتجسد قيمة "حماية الصياد" في نظرة عيون الجار. وفي ليالٍ تتجاوز السكون، كان الصياد يجد في شقائه المحبب نوعاً من الطمأنينة؛ هي سويعات من العناء يتحول فيها الكدح إلى لقاء حميم مع الأعماق. وهناك على اليابسة، كانت النساء ينتظرن عودة المراكب، لا كأمرأة تنتظر زوجها، بل كـ*"حارسة للعهد"*، تُشارك في طقس العودة الأبدي، وتنسج من خيوط الانتظار خيوط الشبكة. إنها حياةٌ ممتدة من زمن معروف سعد وانتفاضة 1975؛ حيث لم يكن النضال لقمة العيش منفصلاً عن المطالبة بضمانة الكرامة والحقوق الصحية.

تتجاوز علاقة صيدا بـقبة اللازورد حدود الجغرافيا والرزق، لترتفع إلى مدار فكري وثقافي عميق. إن فلسفة هذا المُحيط هي القلب المفتوح لـ"عاصمة الجنوب وزهرة المدى المالح". فما بين مينائها وشواطئ الحضارة المصرية على ساحل الإسكندرية، تُراكم المدينة المخزون القومي والعروبي بإبداع أهلها. الأفكار الآتية من بعيد، تُجرّبها الأمواج المتراكمة لشاطئها الرملي الناعم والثابت والصلب، لتُنقّى بـ*"مصفاة الانفتاح الحضاري"* على رصيف العمل الوطني. المدينة، رغم طابعها التاريخي والإيماني، بقيت روحها التوأمية مع اللجة هي التي تستقبل سفن الأفكار والثقافات والنضالات. في شوارعها وعمرانها المتلاصق، تقلب دفاتر التاريخ، لتُغنّي أغنية التكافل والتضامن والود، بعيداً عن أي تعصب لا يقوى على الثبات أمام جوهرة صيدا التي تغتسل كل يوم بالملح الحكيم والزبد الذي لا ينضب. لقد كان إرث بيت معروف سعد هو تثبيت هذا التنوع الثقافي والتعدد الاجتماعي كعنوان حضاري، يغلب عليه البعد الوطني الجامع، ويحفظ مؤنة العمق القومي، لتبقى فلسطين هي القضية المحفورة على بدن كل مركب.

لكن، هذا العشق لـالزُّرقَة الكلية، يتسامى عن ضجيج المراكب وثقل الشباك، ليجد قِمّته الروحية في عالم الصيد بالقصبة. هنا، لا نتعلم الصبر، بل نتجاوز منزلة الصابرين لنغدو نحن الصبر في تجلّيه الأبهى. إنه الخلاص المُتقَن؛ تكسير لـسلاسل الروتين. يُلقي الصياد طُعمه، لا صيداً يُرجى فحسب، بل حملاً من همومٍ يودعها في لجةِ النسيان حيث لا رجعة. وهنا، يصبح المدى المالح هو "طبيبنا النفسي الأزلي"، الملاذ الأخير في زمن التحديات البيئية والأمنية التي حاصرت الروح. فـالصيد الجائر والتلوث هما جرح في قلب صيدا، والقيود الأمنية هي سلاسل غير مرئية تمنع الصياد من الإبحار بحرية. الارتماء وسط الأمواج ليس هروباً، بل هو فعلُ مقاومةٍ روحيّ، لا يضيره إن عاد بـ*"خُلوِّ الشباك النبيل"*؛ لأنها تثبت أن متعة اللقاء أثمن من حصاد المادة. هي امتحان يومي لـالعزيمة والإرادة التي لا يملكها إلا القبطان في مُحيط الحياة الهائج.

وحينما تبدأ مآذن صيدا تُرخِي ظلال حكمتها على المياه الهادئة، يلوح الصياد عائدًا. ليست عودته انتهاءً، بل تتويجٌ لِطَقْسٍ أزليّ يُبثُّ فيه طعم الثمار الروحية ليُنعش روح المدينة. تستقبله طيور النورس بـ*"قرقعة الذاكرة"*، لترفع الصوت بـ "يا بحرية هالا هيلا"، وبأن: ليس اللؤلؤ سوى رأي المُحيط في صدف خبراتنا. هذا الصياد، الذي يحمل على كتفه ثِقل الرزق وخفّة الحكمة، يجسد قصيدة الصمود الأزلية، بكل ما فيها من كفاح يومي ونضال عريق في وجه تحديات البيئة وعناد الأمن، وعشق لا يشيخ لتقاليد صيدا العتيقة. لا يدخل الميناء، بل "يُثبِّتُ التاريخ"، مُبرهناً أن "عسل البحر" هو الجوهر الخالص الذي يُحوّل المالح إلى حكمة، وأن حارس الزُّرقَة الكلية هو حارس المدينة وذاكرتها الممتدة.

وفي الختام، تبقى هذه السيرة المتوهجة، التي صيغت بلغة الوجدان والأدب، هي الخزان الحي لحكايات الصياد حسن شعبان "الدعبول"، وورثة أسرته الذين اختلطت حياتهم مع "عسل البحر" حمايةً لصيدا وبحرها ورحلات الصيد في درره.

جنوبيات
أخبار مماثلة