في زَمنٍ أَصبَحَتِ المُقارَنَةُ فِيهِ دِينًا غَيرَ مُعلَنٍ، والمُسابَقَةُ عُرفًا مُلزِمًا، يَبرُزُ مَوقِفٌ إنسانيٌّ نادِرٌ، يَختارُ صَاحِبُهُ أن يَعيشَ خارجَ المُنافَسَةِ. لا عَجزًا ولا زُهدًا، بَل وعيًا وارتِقاءً، وتَحرُّرًا مِن ثِقَلِ الميزانِ الذي يَزِنُ النّاسَ بعضَهُم ببعض.
إنَّ الإنسانَ الّذي يَخرُجُ مِن دائِرَةِ المُقارَنَةِ، لا يُقصي نَفسَهُ عَنِ الحياةِ، وإنّما يُعيدُ تَحديدَ مَعيارِها. فَلَيسَ المَجْدُ في أن تَكونَ أفضَلَ مِن غَيرِكَ، وإنّما في أن تَكونَ أصفى مع نَفسِكَ، وأقربَ إلى حقيقتِكَ. مَن عاشَ يُراقِبُ خُطى الآخَرينَ، تَعَثَّرَ بخُطاهُم؛ ومَن سَلَكَ طَريقَهُ بيَقينٍ، وَصَلَ حيثُ يُريدُ ولو ببطءٍ.
خارجَ المُنافَسَةِ، تَتَبدَّدُ أوهامُ التَّفوُّقِ المَصنُوع، ويَسكُنُ القَلبُ بعدَ طولِ اضطرابٍ. تَصِيرُ النِّعَمُ أوضحَ، والأشياءُ البَسيطةُ أجمَلَ، والمَشاعِرُ أصدَقَ. يَغدو الإنسانُ صَديقَ نَفسِه، لا سَجينَ نَظَرِ الآخَرين.
ولَعلَّ أجملَ ما في هذا المَقامِ أنَّ الحَياةَ تُهدِي مَن يَختارُهُ سَلامًا داخليًّا لا يُثمَّنُ، إذ يَكتَشِفُ أنَّ الرِّضا ليسَ وِسامًا يُمنَحُ، بَل حَالًا يُعاشُ. ومَن عَرَفَ حَظَّهُ مِنَ الرِّزقِ، لم يَنظُرْ إلى حَظِّ غَيرِه، ومَن عَرَفَ قَدرَ نِعمَتِهِ، لم يَحسُدْ أحدًا على زِيادَتِه.
فاخْرُجْ من صَخَبِ السِّباقِ، وتَنفَّسْ في مَساحَةٍ أوسَعَ مِن مِضمارِ النّاسِ. سِرْ على مَهلٍ، لكن بثَباتٍ، ولا تُسَلِّم قَلبَكَ لِهَوسِ المِقياسِ الزائفِ. إنَّ الحياةَ أجمَلُ وأبهى حين تُعاشُ بصدقٍ لا بمُقارَنَةٍ، وبِسلامٍ لا بِسِباقٍ.
هُناكَ، في ذاكَ الفضاءِ الهادئِ، سَتَعرِفُ مَعنَى أن تَكونَ حقًّا:
خارجَ المُنافَسَةِ.