25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الأخلاقُ ميزانُ الإنسانِ"!
"الأخلاقُ ميزانُ الإنسانِ"!
القاضي م جمال الحلو
2025-11-21
"الأخلاقُ ميزانُ الإنسانِ"!

إنَّ أعظمَ ما تُقاسُ بهِ الأممُ، وتُوزَنُ بهِ القِيَمُ، وتُحَدَّدُ بهِ ملامحُ الحضارةِ، هو ما تمتلكُهُ من خُلُقٍ راسخٍ، وسلوكٍ قويمٍ. فالأخلاقُ ليستْ زينةً يتجمَّلُ بها الإنسانُ حينَ يشاءُ، ولا مظهرًا اجتماعيًّا يتبدَّلُ بتبدُّلِ الأحوالِ، بل هي جوهرُ الوجودِ الإنسانيِّ، وعمادُ الروحِ، ونورُ الضميرِ.

لقد خُلِقَ الإنسانُ حرًّا عاقلًا، غيرَ أنّ عقلَهُ لا يُثمرُ إلّا إذا سقاهُ بماءِ الخُلُقِ الكريمِ، إذْ لا قيمةَ لعلمٍ بلا أدبٍ، ولا جدوى لسلطانٍ بلا إنصافٍ، ولا ثمرةَ لحياةٍ تَخلو من الرحمةِ. وإنَّ أمّةً تُشيِّدُ عمرانَها وتُهملُ بناءَ إنسانِها، إنّما تُقيمُ بنيانَها على رملٍ، وسرعانَ ما تذروهُ الرياحُ.

وما نراهُ اليومَ من اضطرابٍ في الموازينِ، وتفكُّكٍ في القيمِ، واندفاعٍ أعمى وراءَ المادّةِ، إنَّما هو نتيجةُ تراجُعِ الأخلاقِ عن مكانِ القيادةِ في حياةِ الناسِ. فصارَ المالُ معيارًا، والمنصبُ مقياسًا، والشهرةُ غايةً، وضاعَ بينَ ذلكَ الإنسانُ نفسُهُ.

إنَّ الأخلاقَ هيَ العاصمُ من الزللِ، والدرعُ من الانحرافِ، وهيَ التي ترفعُ الإنسانَ حينَ يُنكرُ الناسُ بعضُهم بعضًا. وقديماً قالَ الشاعرُ:

وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَتْ 
فإنْ همُ ذهبَتْ أخلاقُهم ذهبوا

فلنُعِدْ إلى حياتِنا البوصلةَ التي تُوجِّهُنا نحوَ النُّبلِ والسموِّ، ولنزرعْ في أبنائِنا خُلُقَ الصدقِ قبلَ فصاحةِ اللسانِ، وخُلُقَ الأمانةِ قبلَ مهارةِ اليدِ، وخُلُقَ الرحمةِ قبلَ حُسنِ البيانِ. فبغيرِ ذلكَ، لن يكونَ لنا مستقبلٌ يستحقُّ أن نُسمِّيَهِ إنسانيًّا.

وإنَّ اللهَ تعالى حينَ مدحَ نبيَّهُ محمّدًا عليه الصلاة والسلام، لم يمدحهُ بمالٍ ولا جاهٍ، بل قالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فكأنَّما الأخلاقُ تاجُ النبوّةِ، ووسامُ الخلودِ، ومِعيارُ القربِ من اللهِ.

فلنُجدِّدِ العهدَ مع أنفسِنا بأن تكونَ الأخلاقُ أوَّلَ ما نُعلِّمُهُ، وأسمى ما نحيا بهِ، وأقدسَ ما نُدافعُ عنهُ. فبها نحيا كرامًا، وبها نُحاسَبُ يومَ نلقى ربَّنا.

جنوبيات
أخبار مماثلة