26 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "وَدِيعُ الصَّافِي.. صَوْتٌ لا يَمُوتُ"!
"وَدِيعُ الصَّافِي.. صَوْتٌ لا يَمُوتُ"!
القاضي م جمال الحلو
2025-11-27
"وَدِيعُ الصَّافِي.. صَوْتٌ لا يَمُوتُ"!

هُناك أصواتٌ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الكلماتِ والأَنْغَامِ، لتَدْخُلَ إلى عُمقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ بِلَا اسْتِئذَانٍ. صَوْتُ وَدِيعِ الصَّافِي في أُغْنِيَةِ "دار يا دار" أحدُ تِلْكَ الأصْوَاتِ. كُلَّمَا سَمِعْتَهَا، تَنْهَمِرُ الدُّمُوعُ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ شِدَّةِ جَمَالِ اللَّحْنِ أَوْ رَوْعَةِ الكَلِمَاتِ، بَلْ مِن صِدْقِ ما تَحْمِلُهُ في طَيَّاتِه: الحَنِينُ إلى الدَّار، إلى الأحِبَّةِ، إلى وُجُوهٍ غَابَت وبَقِي أَثَرُهَا في القَلْبِ.

كَتَبَ الشَّاعِرُ المُبْدِعُ حُسَيْنُ السَّيِّد كَلِمَاتِ الأُغْنِيَةِ، وَلَحَّنَهَا المُوسِيقَارُ العَبقَرِيُّ بَلِيغُ حَمْدِي عَلَى مَقَامِ البَيَاتِ، فَكَانَت النَّتِيجَةُ تَحْفَةً فَنِّيَّةً تَشِعُّ شَجَنًا وحُبًّا ودِفْئًا. الأُغْنِيَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَحْنٍ يُسْمَعُ، بَلْ تَجْرِبَةٌ رُوحِيَّةٌ، ذِكْرَى حَيَّةٌ لِكُلِّ مَنْ فَقَدَ الدِّيَارَ أَوْ الأحِبَّةَ، أَوْ عَاشَ لَحَظَاتٍ صَادِقَةٍ مِنَ الوَفَاءِ والمَحَبَّةِ.

وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَغَنَّتْهَا الفَنَّانَةُ الكَبِيرَةُ وَرْدَةُ الجَزَائِرِيَّة بَعْدَ نَحْوِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مِنْ أَدَاءِ وَدِيعِ الصَّافِي في فِيلْمِ نَارُ الشَّوْق عام 1970. وَرَغْمَ جَمَالِ أَدَائِهَا وَصَوْتِهَا المُميَّزِ، إِلَّا أَنَّ ذِكْرَيَاتِ الأُغْنِيَةِ بِصَوْتِ وَدِيعِ الصَّافِي بَقِيَتْ مُتَجَذِّرَةً فِي الذاكِرَةِ العَاطِفِيَّةِ لِلْجُمْهُورِ، لِأَنَّهُ صَوْتٌ لا يَتَرَدَّد، وَصَدًى لا يَزُولُ.

وَإنَّ الاِسْتِمَاعَ إلى وَدِيعِ الصَّافِي في "دار يا دار" أَشْبَهُ بِالغَوْصِ في سِمْفُونِيَّةِ عِشْقٍ لا تَنْتَهِي، تَمْتَدُّ إلى أَبَدِ الأبَدِينِ. كُلُّ نَغْمَةٍ، وكُلُّ هَمْسَةٍ في صَوْتِهِ تَحْمِلُ قِصَّةَ حُبٍّ خَفِيَّةٍ: حُبٌّ لِلدَّارِ، لِلْحَيَاةِ، لِلْإِنْسَانِ. الصَّوْتُ يَتَحَوَّلُ إلى مَوْجَةِ حَنِينٍ تَتَرَاقَصُ عَلَى أَوْتَارِ القَلْبِ، فَتُثِيرُ فِيهِ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةً وَتَزْرَعُ فِيهِ أَحْلَامًا لَمْ تَتَحَقَّق بَعْدُ. هُنَا يُصْبِحُ الفَنُّ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مُوسِيقَى، إِنَّهُ لُغَةٌ رُوحِيَّةٌ، قَادِرَةٌ عَلَى عُبُورِ الزَّمَنِ وَالمَكَانِ، لِتَجْمَعَ بَيْنَ الحَاضِرِ وَالمَاضِي، بَيْنَ الأحِبَّةِ الغَائِبِينَ وَالوُجُوهِ الَّتِي مَا زَالَتْ حَاضِرَةً فِي الذَّاكِرَةِ.

هُنا يَظْهَرُ جَوْهَرُ الفَنِّ الحَقِيقِيِّ: أَنْ يُطْرِبَ القَلْبَ قَبْلَ الأُذُنِ، أَنْ يَلْمِسَ الرُّوحَ قَبْلَ السَّمْعِ، أَنْ يَدْخُلَ إلى الإِنْسَانِ بِلَا اسْتِئذَانٍ وَيَتْرُكَ أَثَرَهُ الدَّائِمَ. وَدِيعُ الصَّافِي لَمْ يُغَنِّ، بَلْ عَاشَ مَعَ كُلِّ بَيْتٍ وَكُلِّ كَلِمَةٍ، وَجَعَلَ مِن صَوْتِهِ وَطَنًا لِلْحَنِينِ وَالوَجْدِ.

فِي زَمَنٍ تَتَبَدَّلُ فِيهِ الأصْوَاتُ وَتَتَسَارَعُ فِيهِ الإِيقَاعَاتُ، تَبْقَى أُغْنِيَةُ "دار يا دار" بِصَوْتِ وَدِيعِ الصَّافِي مِرْآةً لِصِدْقِ الفَنِّ الخَالِدِ، وَنَافِذَةً تَطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الإِنْسَانِ، فَتُعِيدُ إِلَيْهِ مَا هُوَ أَصْدَقُ: الحُبُّ، الحَنِينُ، وَالوَفَاءُ.

جنوبيات
أخبار مماثلة