كَأَنَّ لُبْنانَ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعِيشَ في دَائِرَةٍ لا تَنْتَهِي مِنَ الألَمِ،
بَيْنَ حَاكِمٍ لا يَرَى، وَمَحْكُومٍ لا يُسْمَعُ صَوْتُهُ،
وَمَالٍ عَامٍّ يُنْهَبُ عَلَى مَرْأًى مِنَ الجَمِيعِ، دُونَ أَنْ يُحَرِّكَ أَحَدٌ سَاكِنًا.
وَطَنٌ كَانَ يَوْمًا مَنَارَةَ الشَّرْقِ،
صَارَ اليَوْمَ غَارِقًا في العَتْمَةِ،
تَائِهًا بَيْنَ أَيْدِي مَنِ اسْتَحَلُّوهُ بِاسْمِ «الشَّرْعِيَّةِ»،
وَابْتَلَعُوا خَيْرَاتِهِ تَحْتَ شِعَارِ «الإِنْقَاذِ».
تَتَنَاهَبُ الأَيَادِي خَيْرَاتِ الدَّوْلَةِ كَمَا تَتَنَاهَبُ الوُحُوشُ فَرِيسَتَهَا،
كُلٌّ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى حَيْثُ يَسْتَطِيعُ،
ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ لِيُقْسِمَ أَنَّهُ بَرِيءٌ.
فَلا عَجَبَ إِنْ صِرْنَا نَعِيشُ المَشْهَدَ المَأْسَاوِيَّ ذَاتَهُ:
يُقَالُ لِلسَّارِقِ: «احْلِفْ»،
فَيَحْلِفُ ضَاحِكًا: «إِجَانَا الفَرَجُ!»
وَكَأَنَّ القَسَمَ صَارَ تَذْكِرَةَ عُبُورٍ إِلَى الغُفْرَانِ، لا وَسِيلَةً لِإِظْهَارِ الحَقِّ.
في بَلَدٍ تُهْدَرُ فِيهِ المِلْيَارَاتُ،
وَيُفْقَدُ الدَّوَاءُ، وَتُغْلَقُ المَدَارِسُ، وَتُطْفَأُ الأَنْوَارُ،
يَبْقَى الفَاسِدُونَ في مَوَاقِعِهِمْ،
يَتَبَادَلُونَ الاِتِّهَامَاتِ بِمَهَارَةٍ مَحْسُوبَةٍ،
بَيْنَمَا المُوَاطِنُ يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الجُوعِ وَالبِطَالَةِ وَانْسِدَادِ الأُفُقِ.
الدَّوْلَةُ الَّتِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَحْمِيهِ،
صَارَتْ شَرِيكَةً في وَجَعِهِ،
صَامِتَةً عَلَى مَنْ يَنْهَشُ لَحْمَهُ،
بَلْ تُصَفِّقُ لَهُ أَحْيَانًا إِذَا أَحْسَنَ التَّمْثِيلَ.
كُلُّ شَيْءٍ في لُبْنَانَ يُدَارُ بِالمَحْسُوبِيَّاتِ:
مِنَ التَّعْيِينَاتِ إِلَى العُقُودِ،
وَمِنَ المُنَاقَصَاتِ إِلَى القُرُوضِ.
لا مَكَانَ لِلْكَفَاءَةِ وَلا لِلضَّمِيرِ،
بَلِ لِاسْمِ العَائِلَةِ، وَوَلَاءِ الزَّعِيمِ، وَحِصَّةِ الحِزْبِ.
وَكَأَنَّ الوَطَنَ قِطْعَةُ جُبْنٍ تُقَسَّمُ عَلَى مَوَائِدِ الطَّامِعِينَ.
وَحِينَ يَسْأَلُ النَّاسُ: «أَيْنَ الدَّوْلَةُ؟»
يَأْتِيهِمُ الجَوَابُ بِبُرُودٍ مُمِيتٍ: «الدَّوْلَةُ هِيَ نَحْنُ!».
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ المُوجِعَةَ أَنَّ الدَّوْلَةَ صَارَتْ غَنِيمَةً،
وَالسُّلْطَةَ تِجَارَةً،
وَالشَّعْبَ مُجَرَّدَ رَقْمٍ في مُعَادَلَةِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ.
وَحِينَ يُحَاوِلُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَصْرُخَ في وَجْهِ الفَسَادِ،
يُخْنَقُ صَوْتُهُ بَيْنَ التَّهْدِيدِ وَالإِهْمَالِ وَالسُّخْرِيَةِ الجَارِحَةِ.
هَكَذَا اختُزِلَ الوَطَنُ في مَشْهَدٍ عَبَثِيٍّ وَاحِدٍ:
قَسَمِ الحَرَامِي.
لَقَدْ آنَ الأَوَانُ أَنْ يَسْتَعِيدَ اللُّبْنَانِيُّونَ صَوْتَهُمْ.
فَالوَطَنُ لا يُبْنَى بِالقَسَمِ الكَاذِبِ،
وَلا يُطَهَّرُ بِيَمِينٍ زَائِفٍ،
بَلْ بِإِرَادَةٍ صَادِقَةٍ تَقُولُ: «كَفَى!»
كَفَى نَهْبًا، وَكَفَى كَذِبًا، وَكَفَى اسْتِهْزَاءً بِعُقُولِ النَّاسِ.
فَلُبْنَانُ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُبَاعَ كُلَّ يَوْمٍ في سُوقِ المَصَالِحِ،
وَلا أَنْ يُهَانَ تَحْتَ رَايَةِ مَن أَقْسَمُوا أَنْ يَخْدُمُوهُ،
فَإِذَا بِهِمْ يَخْدُمُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى حِسَابِهِ.
سَيَأْتِي يَوْمٌ، لا مَحَالَةَ،
يُسْأَلُ فِيهِ كُلُّ حَرَامِي عَنْ قَسَمِهِ،
وَيُسْتَرَدُّ فِيهِ الحَقُّ مِنْ فَمِ البَاطِلِ.
يَوْمَهَا لَنْ تَنْفَعَهُمُ الأَيْمَانُ وَلا الوُجُوهُ المُزَيَّفَةُ،
لأَنَّ الحَقِيقَةَ لا تُحْلَفُ،
بَلْ تُعَرَّى...
وَحِينَ تُعَرَّى الحَقِيقَةُ،
يَسْقُطُ القَسَمُ... وَيَسْقُطُ الحَرَامِي.