كانَ لبنانُ قبلَ عاصفةِ الحربِ الأهليّةِ عامَ 1975، لوحةً من الجَمالِ المَصونِ، تُشعُّ منها الألفةُ، ويَتنفّسُ الناسُ فيها الطمأنينةَ كما يَتنفّسونَ هواءَ الجبالِ العَطِر. كانَ الوطنُ الصغيرُ كبيرًا بقلوبِ أبنائِه، تَجمعُهم المحبّةُ، وتُظلّلُهم روحُ الرِّضا والسكينةِ، فلا حاجةَ لأقفالٍ على الأبوابِ، ولا خوفَ من الغريبِ، لأنّ الغريبَ في لبنانَ كانَ صديقًا قبلَ أن يُعرَفَ اسمُه.
في باطِنِ بيروت، كانتِ الأسواقُ تنبضُ بالحياةِ؛ تختلطُ فيها رائحةُ القهوةِ المحمّصةِ بعطرِ الصابونِ البلديّ، ويَتمازجُ صوتُ الباعةِ مع ضحكاتِ الزبائنِ في لحنٍ يوميٍّ من البهجةِ الصافية. كانَ شارعُ الحمراءِ يَغفو على أنغامِ العودِ، ويصحو على خُطا المثقّفينَ والشعراءِ، وكانت المقاهي منصّاتٍ للحوارِ والفكرِ، لا للضجيجِ والعَجَلة.
وفي الأحياءِ القديمةِ، حيثُ البيوتُ تتعانقُ شُرفاتُها كأنّها أذرعُ أمٍّ حنون، كانَ الجيرانُ يَعرفونَ أدقَّ تفاصيلِ بعضِهم: من المرضِ إلى الفرحِ، إلى موعدِ طبخِ المجدّرة! كانت الأبوابُ مفتوحةً، والقلوبُ أكثرَ انفتاحًا، والعلاقاتُ العائليةُ نسيجًا واحدًا لا تنفصمُ خيوطُه. الجدُّ هو ذاكرةُ البيتِ، والجدةُ سِرُّ الحنان، والأمُّ نغمةُ الدفءِ التي تُغنّيها الأيامُ في وجهِ تعبِ الحياة.
وفي القرى، كانتِ الحياةُ أكثرَ بساطةً وأقربَ إلى النقاء. يَستيقظُ الناسُ على صَوتِ الديكِ، ويَنامونَ على حكاياتِ القمرِ. في الساحاتِ تُقامُ الأعراسُ كأنّها عيدُ الوطن، ويجتمعُ الجميعُ تحتَ ظلالِ التينِ والزيتونِ، يُغنّونَ مع فيروزَ ويَضحكونَ من القلب. لم تكنِ الرفاهيةُ ماديّةً بقدرِ ما كانتْ معنويّةً: في كلمةٍ صادقةٍ، وفي كفٍّ تمتدُّ بالعونِ دونَ سؤال.
لبنانُ ما قبلَ الحربِ كانَ وعدًا بالجمالِ، وأُغنيةً منسوجةً من حروفِ المحبّةِ والكرم. كانَ الوطنُ الصغيرُ يُشبِهُ قصيدةً تُتلى في صباحٍ صافٍ على بحرِ بيروت، حيثُ لا ضجيجَ إلّا موجٌ يُقبّلُ الصخرَ، ولا حُلمَ إلّا أن يبقى السلامُ سيّدَ الدار.
آهٍ لو نستطيعُ العودةَ إلى الوراءِ — لا هربًا من الحاضرِ، بل توقًا إلى زمنٍ كانتْ فيه البساطةُ سيادةً، والصدقُ عملةً، والناسُ أكثرَ إنسانيّةً من كلِّ ما حولهم،
زمنٍ كان فيه "لبنان"، ذاكَ الوطنُ الذي نحبُّه في الذاكرةِ ونفتقدُه في الحاضر.