ويمضي بنا العُمرُ كما تَمضي الرِّيـاحُ على وجهِ الصَّباح،
لا نملِكُ من الأمرِ سوى الانتظار.
نقفُ على أرصِفةٍ تزدحِمُ بالأنفاسِ والأمنيات،
يحدونا الشَّوقُ إلى ما لَم يأتِ بعد.
مِنّا مَن ينتظِرُ فَرَجًا تتفتَّحُ به أبوابُ السَّماء،
ومِنّا مَن ينتظِرُ شِفاءً يُعيدُ لجسدِه نَبضَ الحياة،
ومِنّا مَن يترقَّبُ غائبًا طال غيابُهُ حتّى صارَ الانتظارُ لهُ عادةً،
ومِنّا مَن يحلُمُ بسعادةٍ مُؤجَّلةٍ يُخبِّئها القدَرُ في طيّاتِ الغد.
وهكذا تَمضي الحياةُ بينَ رَجاءٍ وخَيبَةٍ،
بينَ أمَلٍ مُؤنِسٍ وحَقيقةٍ مُراوِغة،
كأنّها رحلةٌ طويلةٌ على قطارٍ لا نعلَمُ متى يتوقّفُ
ولا في أيِّ مَحطّةٍ سنترجَّل.
لكنَّ الأملَ — ذلك الضَّوءُ الضَّئيلُ المُتَّقِدُ في أعماقِنا —
يبقى الرَّكيزةَ الّتي نتَّكِئُ عليها،
والرفيقَ الّذي يُربّتُ على أكتافِنا في ليالي الانتظارِ الطَّويلة،
يقولُ لنا بصوتٍ خافتٍ:
«ما زالَ في الغَدِ مُتَّسَعٌ للفَرَح.»
فتمضي بنا الأيّامُ، ونمضي نحنُ معها،
نتعلَّمُ أنَّ الانتظارَ ليسَ ضَعفًا،
بل إيمانًا بأنَّ ما نرجوه قادِمٌ لا مَحالَة،
وأنَّ اللهَ — في لُطفِه الخفيّ — لا يُخلِفُ وعدًا.
وليسَ الانتظارُ أن نقفَ مكتوفي الأيدي على أرصفةِ الزَّمن،
بل أن نحملَ في قلوبِنا يقينًا،
وفي أيدينا عملًا.
فالحياةُ لا تمنحُ فَرحَها لمَن يكتفي بالأُمنيات،
بل لمَن يَسعى بخُطًى واثقةٍ نحوَ ضوءِ الأمل.
ولعلَّ أجملَ ما يَملِكُه الإنسانُ
أن يصنعَ من صبرِه طاقةً،
ومن انتظارِه دافعًا،
ومن خيبتِه بدايةً جديدة.
أيُّها القارئُ العزيز،
اجعَلْ من كُلِّ انتظارٍ فُرصَةً للنُّموّ،
ومن كُلِّ تأخيرٍ امتحانًا لإيمانِك بأنَّ الخيرَ آتٍ وإن خَفِي.
اغرِسْ في طريقِك بذورَ العطاء،
وامنَحْ غيرَك ما تودُّ أن يمنحَك القدَر،
فبذلك وحدَه تَزدهِرُ الأرواح،
ويعلو صوتُ الأملِ على صمتِ الانتظار.
إنَّ المجتمعَ الّذي يَتسلَّحُ بالأملِ،
ويَتَّحِدُ بالعَمل،
لا يعرِفُ الهَزيمةَ مهما طالَ اللَّيل،
لأنَّ فجرَهُ يولَدُ من قلوبٍ آمَنَتْ بأنَّ الصبرَ بابُ النُّور،
وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ مَن أحسنَ ظنَّهُ به.