25 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ما بين الفجوة والعجوة ماتت النخوة"!
"ما بين الفجوة والعجوة ماتت النخوة"!
القاضي م جمال الحلو
2025-12-30
"ما بين الفجوة والعجوة ماتت النخوة"!

ما بين الفجوة التي سُمّيت زورًا "مالية"، والعجوة التي يُراد للشعب أن يتسلّى بها بدل حقّه، ماتت النخوة، ودُفنت الكرامة، وصار الظلم قانونًا يُشرَّع، لا جريمةً تُدان.

قانون ما يُسمّى ردم الفجوة المالية، أو ما يتلطّى خلف قناعٍ مخمليّ باسم التعافي المصرفي، ليس تعافيًا إلا من جيوب المودعين، ولا ردمًا إلا لما تبقّى من ثقةٍ بين الناس والدولة. هو قانون يُغسَل بماء المصطلحات، ويُبخَّر بلغة الخبراء، لكن رائحته نتنة: تشريع الإفلاس، وتقنين النهب، وتعميد الانهيار.

إذا أُقِرّ هذا القانون، فاقرأ الفاتحة على ما بقي من قطاعٍ مصرفيّ، كان – رغم علّاته – آخر ما يُمسك بخيط الاقتصاد. عندها لن يكون هناك مصرف، بل خزائن خاوية، ولا ودائع، بل أرقام يتيمة في دفاتر محاسبة كاذبة.
وعلى رأي المثل المصري:
"هادي دقني إن كنت حتلاقي حد يثق بالمصارف."
فمن ذا الذي يودع قرشًا في نظامٍ يعلن صراحةً: سنأخذ مالك متى شئنا، وباسم القانون؟

أيّها السادة، الثقة لا تُفرَض بالقوانين، بل تُبنى بالعدالة. والمال لا يعود إلى المصارف بالتهديد، بل بالضمان. أمّا أن يُطلب من الناس أن يضحّوا مرّةً أخرى، فيما اللصوص ذاتهم يُكافَأون بالحصانة، فذلك ليس إنقاذًا… بل صفقة مكتملة الأركان.

وهنا نعود، ساخرين باكين، إلى أمجاد الجدود، لا لأنّها أرقى، بل لأنّ الحاضر قد انحط.
"خلّي مخزنك عِبّك"، يقول المثل،
و"الذهب تحت البلاطة" صار سياسة شعب، لا بدائية عقل.
فما دام المصرف فخًّا، والدولة شريكًا في النشل، فالبيت أولى بالخزنة، والبلاطة أصدق من القانون.

"يا محلا زمن البرغوث وأحوال السلطنة"!
حين كان الظلم يُقال له ظلم، لا “إعادة هيكلة”.
وحين كان السارق يُسمّى سارقًا، لا “مستثمرًا متعثرًا”.
وحين كانت الدولة – على علّاتها – تعرف أنّ الجوع كافر، وأنّ كسر الناس آخر المسامير في نعش الحكم.

أمّا اليوم، فنحن في زمن "انخلي يا حنّة":
انخلي من أموالك،
من تعبك،
من عمرك،
من شيخوختك...
وأنت ايها الشعب المسكين 
عليك ان تسدّ فجوة لم تصنعها،
وان تنقذ منظومة لم تحمك يومًا.

"فما بين الفجوة والعجوة، ماتت النخوة"،
ومات معها الحياء السياسي،
وصار الإفلاس وجهة نظر،
والنهب اجتهادًا تشريعيًّا،
والشعب رقمًا فائضًا عن الحاجة.

لكن ليعلم من يشرّع الظلم:
إنّ الأمم لا تنهار حين تفلس خزائنها،
بل حين يُكسَر عقد الثقة بينها وبين ناسها.
وحينها… لا فجوة تُردم،
ولا عجوة تُشبع،
ولا قانون يُنقذ ما هدمته الخيانة.

جنوبيات
أخبار مماثلة