في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا نُحيّي رجلًا غاب، بل نوقظ فكرة لم تمت، ونستحضر زمنًا كان فيه الحلم العربي ممكنًا، وكانت الكلمة موقفًا، والموقف قدرًا، والزعيم ضميرًا حيًّا لا ينام.
في ١٥ كانون الثاتي من عام ١٩١٨ ، وُلد من رحم البسطاء قائدٌ يشبههم، لا في الملامح فقط، بل في الوجع والطموح والإصرار. وُلد جمال عبد الناصر في زمنٍ كانت فيه الأمة العربية مثقلة بالهزائم، مُنهَكة بالاحتلال، مُكبّلة بالطبقية، فاختار أن يكون ابن هذا الألم، لا متفرّجًا عليه، وأن يحوّل المعاناة إلى مشروع تحرّر، والخوف إلى شجاعة، والصمت إلى صوتٍ هادر.
لم يكن عبد الناصر خطيبًا مفوّهًا فحسب، بل كان صاحب رؤية، يدرك أن الاستقلال السياسي لا معنى له من دون استقلال اقتصادي، وأن الجيوش لا تحمي الأوطان إذا جاعت الشعوب، وأن العروبة ليست نشيدًا عاطفيًا، بل وحدة مصير ومسؤولية تاريخية. لذلك انحاز للفقراء، ورفع رأس العامل والفلاح، وكسَر احتكار القلّة، وأعاد للدولة دورها الاجتماعي، مؤمنًا أن العدالة ليست ترفًا، بل شرطًا للكرامة.
حين أمّم قناة السويس، لم يكن قرارًا اقتصاديًا فقط، بل لحظة كرامة عربية جامعة، صفعة مدوّية على وجه الاستعمار، وإعلانًا صريحًا بأن زمن الوصاية قد انتهى. يومها، شعر العربي من المحيط إلى الخليج أن له قائدًا يتكلم باسمه، ويتقدّم الصفوف عنه، ولا يخشى التهديد ولا الحصار.
وكان عبد الناصر، في أوج حضوره، قائد قضايا لا حدود. لم تغلقه الجغرافيا، ولم تقيده الدولة القُطرية الضيقة. حمل فلسطين في قلبه، والجزائر في صوته، واليمن في قراره، وإفريقيا في ضميره. دعم حركات التحرر في كل مكان، لأن إيمانه كان بسيطًا وعميقًا في آن: لا حرية لأمةٍ محاطة بالعبودية.
وحين جاءت النكسة، ذلك الجرح المفتوح في الذاكرة العربية، لم يختبئ جمال عبد الناصر خلف بيانات النصر الوهمي، ولم يهرب من شعبه. خرج إليهم منكسرًا صادقًا، وتحمل المسؤولية كاملة، في مشهدٍ نادر لا يصنعه إلا القادة الكبار. لم تكن الهزيمة نهاية الفكرة، بل امتحانها الأصعب، ومن رحمها وُلد الصمود، وإعادة بناء الجيش، واستعادة الثقة بالنفس.
قد يختلف الناس حول التجربة، وقد تتباين القراءات، لكن ما لا يختلف عليه اثنان أن جمال عبد الناصر لم يكن يومًا زعيم تسوية أو رجل مساومات. لم يبع قراره، ولم يرهن إرادته، ولم يبدّل بوصلته. عاش نظيف اليد، صلب الموقف، وترك وراءه إرثًا أثقل من أن يُمحى، وأصدق من أن يُشوَّه.
اليوم، ونحن نعيش زمن الانقسام والتبعية، زمن ضياع البوصلة وتراجع المعنى، تبدو سيرة عبد الناصر أكثر حضورًا من أي وقت مضى. لا بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كدعوة إلى استعادة الجرأة، والإيمان بالذات، والقدرة على الحلم الجماعي. فالأمم لا تنهض بلا حلم، ولا تحيا بلا كرامة، ولا تُصان بلا قادة يؤمنون بها أكثر مما يؤمنون بأنفسهم.
في ذكرى ميلادك، يا جمال، نقول:
لم تكن مرحلة وانتهت،
ولا صورة في كتاب،
ولا خطابًا في أرشيف.
كنت مدرسة في الوعي،
ونارًا في وجه الظلم،
وصوتًا ما زال يهمس في ضمير الأمة:
ارفع رأسك يا أخي… فأنت عربي.
سلامٌ عليك يوم وُلدت،
وسلامٌ عليك يوم قُدت،
وسلامٌ عليك يوم رحلت جسدًا،
وبقيت فكرةً تقاوم النسيان.