لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل شكّل إعلاناً سياسياً واضحاً عن ملامح مرحلة دولية جديدة، تتراجع فيها الشرعية الدولية لصالح منطق القوة، وتُختزل العلاقات بين الدول في معادلة الصفقات والإكراه الاقتصادي.
منذ اللحظة الأولى، بدت نبرة الخطاب استعلائية، لا ترى في النظام الدولي سوى عبء يقيد الإرادة الأميركية.
لم يتحدث ترامب عن تعاون عالمي أو شراكات متوازنة، بل عن من يدفع، ومن يلتزم، ومن يُعاقَب. وهنا تحوّل دافوس من منصة حوار اقتصادي إلى منبر إملاء سياسي يعكس تحوّلاً بنيوياً في العقل السياسي الأميركي: من قيادة النظام الدولي إلى تجاوزه والتحكم به من الخارج.
غرينلاند وغزة: منطق واحد
إعادة طرح ترامب لمسألة "امتلاك" غرينلاند، حتى بصيغة تفاوضية، ليست تفصيلاً معزولاً، بل تعبير صريح عن ذهنية تعتبر الجغرافيا سلعة، والسيادة ملفاً قابلاً للمقايضة.
هذا المنطق ذاته يُسقط اليوم على غزة، حيث تُدار القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة أمنية - إنسانية لا قضية تحرر وطني وحقوق سياسية.
في الحالتين، يتم:
تهميش إرادة الشعوب.
اختزال الأرض في بعدها الاستراتيجي.
واستبدال القانون الدولي بترتيبات فوقية تفرضها موازين القوة.
غزة، وفق هذا المنطق، تتحول إلى حقل اختبار لسلام القوة: إعمار بلا سيادة، تهدئة بلا أفق سياسي، وإدارة بلا حقوق وطنية.
الأمم المتحدة في الهامش
غياب أي إشارة جدية في خطاب ترامب إلى دور الأمم المتحدة أو قرارات الشرعية الدولية ليس صدفة، بل انسجاماً مع سياسة أمريكية متراكمة تقوم على:
تعطيل مجلس الأمن.
الانسحاب من الاتفاقيات الدولية.
واستبدال المرجعيات الأممية بتفاهمات ثنائية أو إقليمية تقودها واشنطن.
في ملف غزة، يظهر هذا التهميش بوضوح: قرارات أممية بلا تنفيذ، مقابل إدارة أميركية تتصرف كمرجعية وحيدة، لا كشريك ضمن نظام دولي متعدد الأطراف.
الأمن مقابل الدفع
هجوم ترامب على حلف الناتو وربطه الأمن بالدفع المالي يعكس إعادة تعريف خطيرة لمفهوم الأمن الجماعي.
الأمن لم يعد التزاماً متبادلاً، بل خدمة مدفوعة الثمن.
وهو المنطق ذاته الذي يُطبق في غزة: مساعدات بدل حقوق، إغاثة بدل حل سياسي، واستقرار مؤقت بدل سلام عادل.
خلاصة القول:
خطاب ترامب في دافوس يؤكد أن العالم يتجه نحو مرحلة ما بعد الشرعية الدولية، حيث تُدار النزاعات بمنطق القوة، وتُفرغ القوانين من مضمونها، وتُختزل قضايا الشعوب في ملفات أمنية وتقنية.
غير أن التجربة التاريخية تؤكد أن سلام القوة لا يدوم، وأن ما يُفرض بلا عدالة محكوم عليه بالانفجار. وغزة، كما غرينلاند، ليست سوى مرآة مكبّرة لعالم يتآكل فيه النظام الدولي، ويُختبر فيه مستقبل القانون والعدالة على حافة القوة الغاشمة.