(كلٌّ منّا يعلم عمّا يدافع).
من المعلوم وجوبًا أنّ في مقدّرات الحياة ما يستدعي الوقوف عنده لتبيان كنهه، وتوجّهاته، واتّجاه مساراته، وبلورة ماهيّته. فمسألة الدفاع عن شيءٍ معيّن تُحدِّد طبيعة المدافِع والمدافَع عنه، كما تكشف الارتباط الذاتيّ اللصيق بين شخصيّة المدافِع وجوهر المدافَع عنه.
فلا يدافع عن الفاسد إلّا الفاسد، إذ إنّ بينهما ارتباطًا شرطيًّا قوامه الفساد.
ولا يدافع عن الساقط إلّا الساقط، لانعدام الأخلاق بينهما.
ولا يدافع عن الشرفاء إلّا الشرفاء، لأنّ الشرف كنه حقيقتهم.
ولا يدافع عن الحرّيّة إلّا الأحرار، كون الحرّيّة مشعل مسيرتهم.
ولا يدافع عن الثورة إلّا الأبطال، لأنّ الثورة عمليّة تغيير اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وفكريّة، وتحتاج إلى أبطالٍ ثوّارٍ للقيام بها.
ولا يدافع عن المظلومين سوى المنصفين العادلين، الذين يعرفون معنى الظلم وانعكاسه العميق على النفس البشريّة.
ولا يدافع عن الظالمين سوى الظالمين، أولئك الذين باعوا ضمائرهم لقوى الشرّ والحقد والكراهية.
ولا يدافع عن السياسيّين الفاسدين إلّا من امتهن الفساد والاستبداد وإهدار الحقوق.
وفي واقع الأمر، كلٌّ منّا يعلم عمّا يدافع.
ومن هنا، فإنّ مسار الحقّ وتحقيق العدالة يحتاجان إلى الشرفاء الأحرار، الذين اتّخذوا من الإنصاف مركبًا للعبور إلى برّ الأمان والسلامة، وتحقيق العدالة الحقّة على مختلف الصعد والمستويات.
فالإنصاف هو بوابة الخلاص لتحقيق العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، حيث ينبغي إعطاء الحق لصاحبه والتعامل بإنصاف مع النفس والغير.
يمثّل الإنصاف قِمّة الاعتدال، متجاوزا العدل في كونه حكم النفس المنصف، ويتطلب شجاعة في الإعتراف بالأخطاء والتنازل المتبادل، وتغليب المصلحة العليا لتحقيق الاستقرار.
على أمل أن تحمل الأيّام القادمة طمأنينةً في إيجاد الحلول، وتحسين أداء المسؤولين، بما يحقّق أهداف الدولة ومرتكزاتها على المستويات الحياتيّة والبنيويّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة والصحّيّة والنفسيّة، وسائر المجالات التي تعزّز مكانة الوطن وتجعله أهلًا لمواطنيه، ويليق بمستقبلهم.