25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم ليس هو الزمان… بل نحن
ليس هو الزمان… بل نحن
د. عادل جودة
2026-01-31
ليس هو الزمان… بل نحن

في قصيدةٍ موجَزةٍ كالنَّفَس، يُطلّ علينا الشاعر د. عبد الرحيم جاموس ليُذكّرنا بحقيقةٍ عميقةٍ تكاد تضيع في زحام الشكوى اليومية: "ليس هو الزمان، الناسُ هم يفعلون". جملةٌ كأنّها سكّينٌ يشقّ وهمَ الحنين إلى الماضي، ويُعيد المسؤوليّة إلى أصحابها: نحن البشر، لا الزمن.

يبدأ الشاعر ببراءة الزمن، مُعلِناً أن "كلُّ زمنٍ كان بريئاً حين وُلِد"، وكأنّه يُجسّد الزمن طفلاً نقيّاً لم يُلوّث بعدُ بخطيئة الإنسان. إنّها صورةٌ شاعريّةٌ رائعةٌ تُعيد الاعتبار للزمن كإطارٍ محايد، لا يحمل في ذاته خيراً ولا شرّاً، بل يكتسب لونه من أفعالنا، من اختياراتنا، من إهمالنا أو عنايتنا. فنحن الذين "أثقلناه بأخطائنا"، ثم انقلبنا نشكو، ونتنهد، ونقول بمرارةٍ مُزيّفة: "كان الأمسُ أجمل".

وهنا يكمن جوهر القصيدة: نقدٌ لاذعٌ لثقافة الهروب والحنين المُزيّف. فالماضي ليس أجمل بذاته، بل يبدو كذلك لأنّنا نُغفِل أخطاءه، وننسى آلامه، ونُجمّله بذاكرةٍ انتقائيةٍ تبحث عن ملاذٍ من مسؤوليّة الحاضر. إنّ الشاعر لا يُنكر الألم، بل يُعيد توجيهه. فالمشكلة ليست في تغيّر الزمن، بل في تراجع أخلاقنا، وضعف التزامنا، وانحسار إنسانيّتنا.

اللغة في القصيدة فصيحةٌ، واضحةٌ، لكنّها تحمل ثقلاً فلسفياً كبيراً. لا زخرفةَ زائدة، لا تعقيدَ مُتكلّف، بل مباشرةٌ تنبع من وعيٍ عميقٍ بالواقع. والوزن والإيقاع، رغم قصر النص، يخدمان الفكرة: تدرّجٌ من البراءة إلى الاتهام، ثم إلى الاستنتاج الحاسم.

في زمنٍ يتسارع فيه التغيّر، ويكثر فيه اللوم والشكوى، تأتي هذه الأبيات كصفعةٍ يقظةٍ: توقّف عن لوم الزمن، وابدأ بإصلاح نفسك. فالأمس لم يكن أجمل، بل كنّا نحن أبسط، أو أقلّ وعياً، أو أكثر غفلة. أمّا اليوم، ففرصةٌ جديدةٌ لنحمّل الزمن معانٍ أجمل، لا أن نثقله بذات الأخطاء ونتوقّع منه غير ما زرعنا.

ليست القصيدة نصّاً شعريّاً فحسب، بل مرآةً صادقةً تُجبر القارئ على النظر إلى داخله، لا إلى خلفه.

أخبار مماثلة