(قراءة في حكمة الأزمات وسبل النّهوض).
في كلّ مصيبةٍ عسيرة، تلوح فرصةٌ سانحة لمن يُحسن النظر ويجيد التأمّل.
وفي مسار حياتنا اليوميّة، ترافقنا إشكاليّات شتّى، وتهدّد مسيرتنا كمّيّات هائلة من الصّعاب، تتشكّل أحيانًا في هيئة مصائب وويلات، تترك في نفوسنا الحسرة والألم، وتزرع في القلوب القلق والانكسار.
غير أنّ الحقيقة الثّابتة تؤكّد أنّه لا تقع واقعةٌ اعتباطًا في هذا الكون الفسيح، إذ لكلّ حادثة سببٌ وجيه، يدركه من يبحث بعمق، ويتأمّل بعقلٍ منفتح، وذهنٍ صافٍ، وفكرٍ نيّر، ونفسٍ هادئة مطمئنّة.
وهذا السّبب، وإن خفي في بداياته، يحمل في طيّاته كثيرًا من الحكمة، وغالبًا فيضًا من الرّحمة. غير أنّ التّقدير الإلهيّ شاء أن تمضي سنن الحياة على هذا المنوال، اختبارًا للإنسان، وامتحانًا لوعيه، وفرزًا لقدراته على الصّبر والتّكيّف والنّهوض. إ
نّها مشيئة الله في خلقه، لا عبث فيها ولا ظلم.
من هنا، يصبح واجبًا علينا ألّا نقف عند حدود الألم، بل أن ننفذ إلى عمق المصيبة، باحثين في طيّاتها عن الفرصة الكامنة، القادرة على تحويل المحنة من مصيبةٍ كبرى إلى منطلقٍ لعطاءٍ عظيم، وإلى فرصةٍ لإعادة بناء الذّات والمجتمع على أسسٍ أكثر صلابة ونضجًا.
وفي هذا السّياق، يحضرني ما قاله الرّئيس الأميركيّ الراحل جون كينيدي:
> «عند كتابة كلمة أزمة باللغة الصّينيّة، فإنّها تتكوّن من شقّين: الأوّل يعني خطر، والثاني يعني فرصة».
وإذا ما أسقطنا هذه الحكمة على واقعنا الراهن، ومعايشتنا اليومية للأزمة الخانقة التي يعيشها لبناننا الحزين، تتجلّى الحاجة الملحّة إلى تضافر الجهود على مختلف الصّعد، من أركان الدّولة بمؤسّساتها ومرتكزاتها، إلى الشعب الصابر المحتسب، بما يمتلكه من طاقاتٍ ومؤهّلاتٍ كامنة، للخروج من هذا النّفق المظلم.
إنّ النّهوض بالوطن لا يتحقّق بالشّعارات ولا بالانتظار، بل برؤيةٍ واضحة، وإرادةٍ صادقة، وإصلاحٍ فعليّ يعالج مكامن الخلل، ويعيد الاعتبار للقيم، ويؤسّس لمرحلةٍ جديدة قوامها العدالة، والمساءلة، واحترام القانون. فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ولا تُستعاد إلا بوعيهم ووحدتهم وإيمانهم بأنّ الغد، مهما اشتدّ سواده، لا بدّ أن يحمل نورًا لمن أصرّ على إشعاله.
ويبقى الأمل معقودًا على وعي الجماعة، إذ إنّ يد الله مع الجماعة، وبالتّكاتف وحده يمكن إعادة البسمة المفقودة إلى وجه وطننا الغالي، لبنان.