24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حينَ تنكسرُ القلوب"! (الودُّ إذا تصدّع لا يُجبر)
"حينَ تنكسرُ القلوب"! (الودُّ إذا تصدّع لا يُجبر)
القاضي م جمال الحلو
2026-02-07
"حينَ تنكسرُ القلوب"!  (الودُّ إذا تصدّع لا يُجبر)

ليست القلوبُ في صفائها أقلَّ هشاشةً من الزجاج؛ تبدو صلبةً ما دام الودُّ قائمًا، شفّافةً ما دامت النيات مستقيمة، غير أنّها إذا أصابها التنافر، تكسّر صفاؤها وتشقّق بنيانها، فلا يعود الوصل بعدها على الصورة الأولى، ولو اجتهد المتصالحون في لملمة الشظايا.

وقد لخّصت الحكمة العربية هذا المعنى في بيتٍ صار مثلًا سائغًا على الألسن:

 إنَّ القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها
مثلُ الزجاجِ كسرُهُ لا يُجبرُ

فليس المقصود أنّ القطيعة قدرٌ لا مردّ له، ولا أنّ الصفح مستحيل، بل إنّ التنبيه موجَّه إلى خطورة الاستهانة بالودّ قبل انكساره؛ لأنّ ما يُجبر بعد الصدع لا يعود كما كان، وإن بدا سليمًا في الظاهر.

الودّ في ميزان الحكمة

كان أدباء العباسيين يرون الودَّ بناءً تراكميًا، تشيّده الأيام بالصدق، وتحرسه المعاشرة الحسنة، وتهدمه كلمة طائشة أو ريبةٌ طال أمدها. ولذلك جاءت أشعارهم مشبعةً بالحذر من التجافي، والتنبيه إلى أن بعض الجراح لا يبرئها الاعتذار المتأخر.

فالقطيعة ليست لحظة غضبٍ عابرة، بل سلسلة من الإهمال، وسوء الفهم، وتراكم الصمت. وحين يبلغ الأمر حدَّ التنافر، يكون القلب قد استنفد طاقته على الاحتمال، فلا يعود الوصل إلا صورةً من غير روح.

بين العفو والحذر

العفو خُلُقٌ كريم، بل هو ذروة السموّ الإنساني، غير أنّ الحكمة تقتضي التفريق بين الصفح الذي يُحيي المودّة، والصفح الذي يوارِي تحت بساطه شرخًا آخذًا في الاتساع. فليس كل رجوعٍ وصلًا، ولا كل اعتذارٍ جابرًا لما انكسر في الأعماق.

ومن هنا قال الحكماء: احفظ الودّ قبل أن تحتاج إلى ترميمه، فإن الوقاية في العلاقات أبلغ من العلاج، والصمت عند الغضب أصدق من كلامٍ يُندم عليه، والرفق في العتاب أنفع من شدّةٍ تخلّف أثرًا لا يُمحى.

صفوة القول:

إن القلوب إذا تنافرت ودّها، لم تنكسر فجأة، بل تشقّقت رويدًا رويدًا، حتى جاء الكسر الأخير. ومن وعى هذه الحقيقة، صان مودّته، وخفّف وطأة خلافه، وأدرك أن بعض الخسارات لا تُعوَّض، وأن الحفاظ على صفاء القلوب أولى من محاولة جمع الزجاج بعد انكساره.

فطوبى لمن جعل الودّ أمانة، والكلمة ميزانًا، والعشرة مسؤولية، قبل أن يصبح الإصلاح أمنيةً لا تُدرك.

أخبار مماثلة