أُهِلَّ هِلالُ الخَيْرِ،
فَارْتَجَّتِ الأرواحُ ابْتِهاجًا،
وانْسَكَبَ في الآفاقِ ضياءٌ شفيفٌ
كَأَنَّهُ وَعْدُ السَّماءِ حينَ تُصافِحُ الأرضَ بالدُّعاءِ.
جاءَ رمضانُ،
مُتَوَشِّحًا بالرَّحمةِ،
يَحْمِلُ في كَفَّيْهِ غِنًى خَفِيًّا
لا يُقاسُ بِمالٍ،
بَلْ يُوزَنُ بِنَقاءِ القُلوبِ إذا خَشَعَتْ،
وبالدُّموعِ إذا لامَسَتْ أعتابَ السَّحَرِ.
في حَضْرَتِهِ
تُفْتَحُ أبوابُ الجِنانِ كأنَّها أذرُعُ نورٍ،
وتُغْلَقُ أبوابُ الجحيمِ
هِيبَةً لِنِداءِ: يا باغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ.
وتُصَفَّدُ الشَّياطينُ،
فَتَعْلُو في الصُّدورِ راياتُ السَّكينةِ،
ويَصْدَحُ الذِّكْرُ عاليًا
كَأَنَّهُ نشيدُ الخلاصِ.
اللَّيْلُ فيهِ ليسَ ظَلامًا،
بَلْ سِتارُ مِحرابٍ،
إذا أَرْخاهُ الكونُ
أضاءَهُ سُجودُ القائمينَ،
وتَلَأْلَأَتْ آياتُ القرآنِ
نُجومًا تُهادِي خُطَى التَّائِبينَ.
والصَّوْمُ
ليسَ جوعًا يُثْقِلُ الجسدَ،
بَلْ هُوَ نَهْرُ طُهْرٍ
يَغْسِلُ الرُّوحَ مِنْ غُبارِ الغفلةِ،
ويَزْرَعُ في الأعماقِ صبرًا نَبيلًا
يُثْمِرُ عِزَّةً وسَلامًا.
موائدُ الإحسانِ تَمْتَدُّ
كَجُسورِ ضياءٍ بَيْنَ القُلوبِ،
وأيادِي المروءةِ
تُفِيضُ بِرًّا على الفُقَراءِ
حَتّى يَبْتَسِمَ الخُبْزُ في كَفِّ المُحْتاجِ.
يا شَهْرًا
تُغْفَرُ فيهِ الزَّلّاتُ،
ويُعْتَقُ العبدُ مِنْ أثقالِهِ،
ويَعودُ الطِّفْلُ الكامِنُ في القَلْبِ
نَقِيًّا كما خُلِقَ أوَّلَ مَرَّةٍ.
نَسْأَلُ الرَّحمنَ
أنْ يُدِيمَ علينا إشراقَكَ،
وأنْ يَجْعَلَ خِتامَنا
قُبْلَةً مِنْ غُفْرانٍ
تُزْهِرُ في الرُّوحِ يقينًا،
وتَتْرُكُ في العُمُرِ أَثَرًا لا يَفْنَى.
فَطُوبى
لِمَنْ صامَكَ شَوْقًا،
وقامَكَ حُبًّا،
وَوَدَّعَكَ وقَلْبُهُ
يَكْتُبُ على أبوابِ الرَّجاءِ:
إلى لقاءٍ قريبٍ،
يا مَوْسِمَ النُّورِ،
يا مِحرابَ الرَّحمةِ الكُبْرى.