في كل مرة تُعلن فيها الحكومة عن نيتها تحسين الرواتب والأجور، يلوح في الأفق بصيص أمل، كأنّ المواطن على موعد مع استرداد شيءٍ من كرامته المعيشية التي أنهكتها الأزمات المتلاحقة. غير أنّ هذا البصيص لا يلبث أن يخبو تحت وطأة قرارات ضريبية متسرّعة، تُفرض بذريعة تمويل الزيادات نفسها، فتأتي النتيجة معكوسة: زيادةٌ على الورق، وعبءٌ مضاعف في الواقع.
إنّ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرقام المعلنة، بل بأثرها الفعلي في حياة الناس. فما جدوى رفع الأجور إذا كانت الضرائب والرسوم الجديدة تلتهمها قبل أن تصل إلى جيوب المستحقين؟ وما معنى الحديث عن “تحسين القدرة الشرائية” فيما تُفرض رسوم تطال السلع الأساسية والخدمات الحيوية، فتتآكل القدرة نفسها تحت ضغط الأسعار المتصاعدة؟
لقد بات واضحاً أنّ المعالجة القائمة على فرض الضرائب السريعة هي أشبه بحلول نافرة، تفتقر إلى الرؤية الشاملة، وتعتمد على جيب المواطن كمصدرٍ أول وأخير لسدّ العجز. وهذه المقاربة، وإن بدت سهلة في الحسابات الضيقة، فإنها مكلفة في حساب العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. فالضرائب حين تتحول إلى أداة لسدّ فجوات الإدارة بدل أن تكون وسيلة لتنظيم الاقتصاد بعدالة، تفقد مشروعيتها الأخلاقية وتتحول إلى عبءٍ قاتل.
إنّ العدالة الضريبية لا تعني تعميم الجباية بلا تمييز، بل تقوم على مبدأ التكافؤ: أن يتحمّل القادر النصيب الأكبر، وأن يُصان ذوو الدخل المحدود من أي استنزاف إضافي. أما أن تُفرض الرسوم بطريقة عشوائية تطال الاستهلاك اليومي، فإنها تُعمّق الفوارق الاجتماعية، وتدفع بالفئات الأضعف إلى مزيد من التهميش.
الحكومات الرشيدة لا تبدأ الإصلاح من جيب المواطن، بل من إصلاح الإدارة، وضبط الهدر، ومكافحة الفساد، وتوسيع القاعدة الإنتاجية. فالاقتصاد لا يُبنى بالضرائب وحدها، بل بتحفيز الاستثمار، وتشجيع العمل، واستعادة الثقة. وعندما يشعر المواطن أنّ ما يُدفع من ضرائب يعود عليه خدماتٍ أفضل وبنيةً أقوى، يتحول الالتزام الضريبي إلى واجب وطني، لا إلى عبءٍ ثقيل.
إنّ صدى المطالبة بالعدالة ليس صدى اعتراضٍ سلبي، بل هو نداءٌ إصلاحي إيجابي. فالمطلوب ليس إلغاء الضرائب، بل إعادة النظر في فلسفتها وأولوياتها، بحيث تكون جزءاً من رؤية اقتصادية متكاملة تُعيد التوازن بين الدخل والإنفاق، وتمنح الزيادة في الأجور معناها الحقيقي.
فالضرائب القاتلة ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات يمكن تعديلها. وإذا كانت الغاية المعلنة هي تحسين معيشة المواطن، فإن الطريق إلى ذلك لا يمرّ عبر إثقال كاهله، بل عبر تمكينه. وعندها فقط يصبح الحديث عن زيادة الرواتب خطوةً صادقة في مسار الإنقاذ، لا مجرد رقمٍ يتبدد بين سطور القرارات.