لم تعد الهزات الخفيفة في لبنان حدثاً يمرّ بهدوء كما في السابق، بل تحوّلت إلى مادّة إعلاميّة دسمة تُواكب كلّ اهتزازة حتى تلك التي لا يشعر بها الناس فتغدو خبراً عاجلاً على مختلف وسائل الإعلام، ثمّ تنتشر سريعاً على منصّات التواصل الاجتماعيّ وبعدها على غروبات الواتساب مع تغيير في الصياغات لتصبح أكثر قابليّة لإثارة الهلع والقلق.
هذا التركيز المتكرّر على كل هزة، خصوصاً أن الغالبية العظمى منها غير محسوسة، بات يثير تساؤلاً لدى كثيرين ولم تعرف الأسباب التي جعلت من هذه الحركات البسيطة خبراً يحتاج تغطية إعلاميّة متواصلة وشاملة.
يربط البعض هذا الاهتمام بإمكانية أن يكون مؤشراً على زلزال أكبر أو على حدث وشيك. لكن في المقابل، دفع هذا المناخ نواباً ومؤثرين إلى إعادة فتح ملف الأبنية المتصدّعة والآيلة للسقوط، والمطالبة باستئناف الكشف عليها وتدارك الخطر قبل وقوع كوارث محتملة. وهو ما يحتاجه لبنان بأسره، لا طرابلس وحدها، خصوصاً بعد تقارير سابقة كشفت أرقاماً كبيرة لمبانٍ تتطلّب ترميماً عاجلاً.
في هذا السياق، يتجنب الخبير الجيولوجي طوني نمر استخدام كلمة "طمأنة"، لكنه يشدّد على أن ما يحدث ليس خارجاً عن المألوف، بل ما زال ضمن الإطار الطبيعي للأمور. ويؤكد أن الفارق الأساسي اليوم هو أن الهزات باتت تحظى بتغطية إعلامية أوسع واهتمام أكبر ممّا كانت عليه في السابق.
ويقول نمر إن هذه الهزات لا تعني أن البلاد أمام تحضير لزلزال أكبر، بل هي نتيجة طبيعية لحركة الصفائح والفوالق التي تتحرّك باستمرار، ما يؤدي إلى هزات خفيفة ومتكرّرة. كما يعيد التأكيد على حقيقة علمية أساسية: لا يمكن التنبؤ بالزلازل، وفي نحو 95 % من الحالات تقع الزلازل بشكل مفاجئ ومن دون مقدّمات واضحة، كما حصل في تركيا.
غير أن القلق الشعبي لم يأتِ من فراغ. فقد تركت الهزات القوية التي شعر بها اللبنانيون بعد زلزال تركيا أثراً نفسياً واضحاً، ما فتح الباب أمام بعض الصفحات المؤثرة على مواقع التواصل لاستغلال هذا الخوف وتحويله إلى تحقيقات وقراءات لا تستند إلى أيّ أسس علميّة، بهدف التهويل وإثارة الهلع.
في الإطار نفسه، يتوقف نمر عند ما يصفه بتجاوز العلم، مشيراً إلى خبير الزلازل الهولندي فرانك هوغربيتس الذي حاول استغلال هزة البحر الميت في الشهر الماضي للحديث عن احتمال وقوع زلزال في الشرق الأوسط، بطريقة لا تقوم على منهج علميّ دقيق.
وبحسب الواقع وطريقة التعاطي، بات خبر الهزات الأرضيّة أشبه بـ "موضة" جديدة وفرصة لحصد الإعجابات والتفاعلات، ولو على حساب مشاعر الناس وأمنهم النفسي. ويجري تضخيم الحدث من دون سند علمي أو منطقي، رغم التأكيد المتكرر على نقطتين ثابتتين: أن هذه الهزات كانت تحصل دائماً، وأن التنبؤ بموعد الزلازل غير ممكن. إلّا أن التغطية غير المسؤولة والتقارير المصوّرة التي تنتشر للتحذير من زلزال وشيك ما زالت مستمرّة من دون رادع رغم أنها تفتقر إلى أي سند علمي.
أمّا بالأرقام التي نشرها نمر، فتبدو الصورة أقرب إلى حركة روتينية لا أكثر. إذ يشير إلى أن لبنان شهد بين عامي 2006 و 2017 أكثر من 8000 هزة أرضية، أي بمعدل يقارب 660 هزة سنوياً. وبناءً عليه، فإن ما يجري اليوم ليس جديداً إطلاقاً، بل يندرج ضمن حركة الفوالق الدّائمة والمستمرّة.