24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم فلسفة القيادة: أصالة الممارسة وعبور المستقبل
فلسفة القيادة: أصالة الممارسة وعبور المستقبل
علي خليل ترحيني
2026-02-18
فلسفة القيادة: أصالة الممارسة وعبور المستقبل

 

تعد القيادة التربوية الركيزة الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات، فهي المحرك الذي يوجه الطاقات البشرية نحو تحقيق غايات التعليم السامية. وقد شهدت الإدارة المدرسية عبر تاريخها تحولات فكرية وعملية عميقة، انتقلت بها من حيز الضبط الإجرائي الصارم إلى فضاء الإلهام والابتكار وبناء الإنسان. إن القارئ في تاريخ التنظيم التربوي يلحظ صيرورة مستمرة في تبدل أدوار القائد، بدأت بملامح تقليدية تعتمد السلطة الهرمية، حيث كان المدير ينحصر دوره في كونه منفذًا للوائح القانونية ومراقبًا للانضباط العام، متأثرًا في ذلك بالنموذج البيروقراطي (وهو نظام إداري صلب يعتمد على التدرج الهرمي والتقيد الحرفي بالقوانين والأنظمة الرسمية، مما قد يؤدي أحيانًا إلى جمود العمل وتغليب الشكل على المضمون) الذي ساد بدايات القرن العشرين. ومع تزايد الوعي بأهمية الجوانب النفسية والاجتماعية، برزت محطات تاريخية هامة، لا سيما في السياق اللبناني الذي عرف تنوعًا في الأنماط الإدارية، بدءًا من النماذج المحلية البسيطة وصولًا إلى المأسسة والانتظام في هياكل الدولة الحديثة.

إن جوهر القيادة في عصرنا الراهن لم يعد يقاس بمدى القدرة على إصدار الأوامر، بل بمدى القدرة على صناعة التأثير الإيجابي وصياغة رؤية مشتركة تجمع أطراف الأسرة التربوية. ويتجلى هذا في مفهوم القيادة التشاركية التي تقوم على توزيع المهام القيادية وتفويض الصلاحيات، ليس من باب التخلي عن المسؤولية، بل من أجل تمكين المعلمين وتحويلهم إلى شركاء حقيقيين في صنع القرار وتطوير المناهج. هذا النمط من القيادة يتجاوز العوائق الإدارية التي تجعل من القائد الفرد محورًا لكل شيء، ويستبدلها بنظام مؤسسي متكامل يعتمد على فرق العمل ومجتمعات التعلم، مما يضمن استمرارية النجاح حتى مع تبدل الأفراد. فالقائد الحقيقي هو مهندس البيئة التعليمية الذي يسعى لتحويل مدرسته من مجرد مبنى إداري إلى منارة فكرية تتسم بالمرونة والقدرة على مواجهة التحديات بذكاء وحكمة.

وفي ظل الأزمات الراهنة، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بالأصالة والعبور في الفكر القيادي، حيث لا يكتفي المدير بإدارة الموارد المتاحة، بل يسعى لاستنهاض الهمم وإيجاد الحلول المبتكرة من رحم المعاناة. إن النجاح في هذه المرحلة يتطلب قائدًا يمتلك ذكاءً وجدانيًا واجتماعيًا، يستطيع من خلاله احتواء الصراعات وبناء جسور الثقة مع الكادر التعليمي وأولياء الأمور. فالانتقال نحو القيادة الحديثة يتطلب تغييرًا جذريًا في الثقافة المؤسسية، يبدأ بتعديل النظرة إلى المعلم من كونه موظفًا ينفذ المهام إلى كونه قائدًا في صفه ومساهمًا في السياسة العامة للمدرسة. وهذا التحول يفرض على المؤسسات الرسمية والأكاديمية، كالجامعات ومراكز الأبحاث، ضرورة تحديث برامجها لتواكب هذه المفاهيم، وتوثيق قصص النجاح الميدانية لتكون نماذج يحتذى بها في تطوير العمل الإداري.

إن بناء مستقبل تربوي واعد يقتضي صياغة استراتيجية تكاملية تنهض بواقع القيادة المدرسية، وذلك عبر مأسسة العمل التشاركي والابتعاد عن النزعات الفردية التي ترهن نجاح المؤسسة بشخص واحد. إن الحلول تكمن في تحديث التوصيف الوظيفي للمدير ليكون قائدًا للتغيير ومحفزًا للابتكار، وربط برامج الإعداد التربوي بالواقع الميداني، بالإضافة إلى تفعيل دور مجالس التربية والتنسيق لضمان جودة المخرجات التعليمية. إن إرادة التطوير تبدأ من القناعة بأن القيادة هي أمانة ورسالة، هدفها الأسمى هو الارتقاء بالإنسان، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الحوار الدائم والتنسيق المستمر بين كافة المكونات التربوية، بعيدًا عن لغة الاتهام أو الصراع، وصولًا إلى مجتمع تعليمي متماسك يحقق السيادة التربوية والوطنية المنشودة.

أخبار مماثلة