25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الكلمة التي تبني"!
"الكلمة التي تبني"!
القاضي م جمال الحلو
2026-02-19
"الكلمة التي تبني"!

(في دور الأدب والشعر في ترميم المجتمع)


لم تكن الكلمة في تاريخ الإنسان وسيلة تواصل فحسب، بل كانت منذ بدايات الوعي البشريّ أداة تأسيس، بها تشكّلت القيم، وانتقلت الخبرات، وتكوّن المعنى المشترك بين الأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق، يحتلّ الأدب—وبخاصّة الشعر—مكانة محوريّة في بناء الوجدان الجمعيّ، لا بوصفه ترفًا ثقافيًّا، بل باعتباره ضرورة حضاريّة وأخلاقيّة.

إنّ الأدب، في جوهره، فعلُ تهذيبٍ للّغة، ومن خلال اللغة يُهذَّب الفكر والسلوك. فحين تسمو العبارة، يسمو الوعي، وحين تنحدر اللغة، يتراجع الحسّ الإنسانيّ. ولهذا كانت المجتمعات التي أولت الكلمة عنايتها، أكثر قدرة على ضبط اختلافاتها، وأعمق فهمًا لذاتها وتاريخها. فالكلمة الطيّبة لا تُصلح الجملة وحدها، بل تُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر.

أمّا الشعر، فهو أرقى أشكال هذا الحضور اللغويّ؛ إذ يلتقط ما تعجز عنه اللغة المباشرة، ويمنح التجربة الإنسانيّة صوتًا يتجاوز اللحظة إلى المعنى. ومن خلال إيقاعه وصوره، يخلق الشعر توازنًا نفسيًّا واجتماعيًّا، فيخفّف من حدّة الواقع، ويعيد الاعتبار للقيم التي تتآكل تحت ضغط الاستهلاك والعجلة والخطاب السطحيّ.

وفي المجتمعات التي تعاني الأزمات والتحوّلات، تتضاعف أهمّيّة الأدب. فالكلمة الواعية تصبح حينئذٍ شكلًا من أشكال المقاومة الثقافيّة، تحمي الذاكرة من التشويه، والهويّة من الذوبان، وتمنح الأفراد قدرة على الصبر والتماسك دون أن تسقط في خطاب العنف أو الإقصاء. إنّ الأدب لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنّه يغيّر الإنسان الذي يواجه هذا الواقع، وتلك هي نقطة التحوّل الحقيقيّة.

وتبرز الكلمة الطيّبة بوصفها عنصرًا أخلاقيًّا جامعًا، لا يقلّ أثره عن أي تشريع أو نظام. فخطاب الاحترام، والصدق، والاتّزان، يخلق مناخًا اجتماعيًّا أكثر قابليّة للحوار والتفاهم. ومن هنا، لا تكون مهمّة الأديب أو الشاعر في تزويق المعنى، بل في تنقيته، وفي تقديمه بصيغة تُعلي من شأن الإنسان لا من غرائزه.

إنّ الاستثمار في الأدب ليس استثمارًا في الماضي أو في النخبة، بل هو رهان على المستقبل. فالأجيال التي تنشأ على لغة سليمة، وصورة جميلة، ومعنى عميق، تكون أكثر قدرة على التفكير النقديّ، وأقلّ قابليّة للانجرار خلف الخطاب الشعبويّ أو المتطرّف. وهكذا يغدو الأدب شريكًا صامتًا في بناء الاستقرار الاجتماعيّ والثقافيّ.

وخلاصة القول، إنّ الكلمة الطيّبة ليست ضعيفة كما قد يُظنّ، بل هي أكثر أشكال القوّة دومًا. فهي التي تبقى حين تتبدّل الأدوات، وتستمرّ حين يخفت الضجيج. ومن هنا، فإنّ الحفاظ على الأدب، ودعمه، وإدماجه في الحياة العامّة، ليس شأنًا ثقافيًّا محضًا، بل هو خيار حضاريّ يعكس وعي المجتمع بذاته، وبمستقبله، وبإنسانيّته.

جنوبيات
أخبار مماثلة