نتغنّى كثيراً بأننا شعبٌ يفترش التاريخ أدباً وفكراً وفلسفةً وثقافة. نقنع أنفسنا، صباحاً ومساءً، بأننا حالةٌ استثنائية بين الأمم، حتى يذهب بعضنا بعيداً في مخيّلته ليعتقد أننا "شعبُ الله المستثنى" فكراً وإبداعاً وقدرةً على تطويع اللغات و«لبننة» العالم.
غير أنّ هذه الصورة، وإن حملت شيئاً من الحقيقة، لا تمثّلها كاملة. فهي أقرب إلى رواية نحبّ أن نردّدها عن أنفسنا، لا إلى واقعٍ نعيشه ونمارسه.
والسؤال الذي يطفو عند كل مفترقٍ مصيريّ: من نحن حقاً؟ وهل نملك رأياً عاماً يصنع اتجاهاً ويُنتج محاسبة، أم أننا مجرّد جماعاتٍ تتجاور ولا تجتمع؟
في كل استحقاق، لا نتصرف كشعبٍ واحد، بل ككتلٍ طائفية ومذهبية متفرّقة، تتقدّمها الهواجس قبل البرامج، والانتماءات قبل الرؤى. نعلو صراخاً واعتراضاً طوال أربع سنوات، نُكثر من "النقّ" والمطالبة والإلحاح، نحمّل المسؤوليات ونوزّع الاتهامات، ثم ما إن تحين لحظة المحاسبة، حتى تصيبنا ذاكرةٌ انتقائية تشبه "الزهايمر" السياسي، فنُعيد إنتاج المشهد نفسه، ونمنح أصواتنا لمن شكونا منهم بالأمس.
أيُّ رأيٍ عامٍّ هذا الذي لا يُراكم موقفاً؟ وأيّ وعيٍ جمعيٍّ ذاك الذي يتبدّد عند أول صندوق اقتراع؟ الرأي العام ليس ضجيجاً عابراً، ولا موجةً إلكترونية تنطفئ بانطفاء الحدث، بل هو مسارٌ تراكميٌّ يفرض قواعد اللعبة، ويُرغم السلطة على الحساب.
قد نملك أفراداً مبدعين، ومثقفين لامعين، وصحافةً حيّة في لحظات، لكننا لم ننجح بعد في التحوّل إلى رأيٍ عامٍّ جامع، يتجاوز العصبيات ويصوغ مصلحةً وطنية واحدة. ما زلنا نتحرّك بردود الفعل، لا بالفعل؛ بالعاطفة، لا بالمشروع؛ بالانقسام، لا بالرؤية.
ربما تأتي لحظةُ وعيٍ قاسية، تولد من رحم الجوع والقهر، لحظةٌ تدفعنا إلى مواجهة ذواتنا قبل مواجهة سوانا، فنكتشف أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا يُحمى بالولاءات الضيقة، بل بإرادةٍ جامعة تُنتج رأيًا عامًا حقيقياً.