25 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حين يقول الجميع: ما لي ولهذا"؟!
"حين يقول الجميع: ما لي ولهذا"؟!
القاضي م جمال الحلو
2026-03-02
"حين يقول الجميع: ما لي ولهذا"؟!

 

 

يُحكى أنّ السلطان سليمان القانوني أرسل إلى العالِم الشهير يحيى أفندي يسأله: متى تنهار الدول، وما علامات انهيارها؟
فجاءه الجواب عجيبًا مقتضبًا: «وما لي ولهذا، أيّها السلطان؟ وما لي أنا؟»

تعجّب السلطان من الردّ، والتبس عليه معناه، فقرّر أن يذهب إلى العالم بنفسه. ولمّا التقاه، أعاد عليه السؤال قائلًا: «أريد منك أن تجيب عن سؤالي، وأن توضّح لي قصدك من جوابك».

فقال يحيى أفندي:
«أيّها السلطان، إذا انتشر الظلم في بلد، وشاع فيه الفساد، وقال كلّ من سمع ورأى: ما لي ولهذا؟ وانشغل بنفسه فحسب؛
وإذا كان الرعاة هم الذين يفترسون الغنم، وسكت من علم بذلك ورضي؛
وإذا علا صراخ الفقراء والمحتاجين، وارتفع بكاؤهم إلى السماء، فلم يسمعهم – بعد الله – سوى الشجر والحجر والمدر؛

فعندئذٍ تلوح نهاية الدولة، وتفرغ خزائنها، وتهتزّ ثقة الناس بها، ويتقلّص احترامهم لها، ويضعف شعورهم بالطاعة والانتماء. وهكذا يغدو الاضمحلال قدرًا مكتوبًا عليها، لا مفرّ منه».

وليس انهيار الدول حدثًا مفاجئًا، بل هو مسار يبدأ بكلمة، ويترسّخ بموقف، ويستحكم بصمتٍ طويل. إنّ أخطر ما يفتك بالأوطان ليس عدوًّا ظاهرًا، بل ضميرًا غائبًا، ولا معركةً على الحدود، بل انسحابًا من المسؤولية في الداخل. فحين يتقوقع كلّ امرئ في دائرة «أنا»، تضيق دوائر «نحن»، ويبهت المعنى الجامع الذي به تقوم الدول وتستمرّ.

وهكذا تنهار الدول؛ تكثر المِلل، وتتعاظم العلل، ويسود المَلل، وينتشر الجهل المطبق إلى أجلٍ محتوم. فيغدو الشعب محرومًا، والمواطن مظلومًا، والشرّ معلومًا، والكلّ مصدومًا.

أجار الله لبنان من هذا المصير،
ونرجوه أن يغمره بلطفه، ويوقظ في أبنائه روح المسؤولية، ويجمعهم على كلمة سواء.

 

أخبار مماثلة