ما ذنب اللبناني؟
سؤالٌ بسيط في كلماته،
ثقيلٌ في تاريخه،
وممتدٌّ على نصف قرنٍ من الألم.
ما ذنب اللبناني
كي يقضي خمسين عامًا من عمر وطنه في القهر؟
منذ عام 1975، حين اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يعد الزمن يُقاس بالأعوام، بل بالجراح.
خمسون عامًا من التقلّبات والانهيارات، من الوعود التي تُكتب بالحبر ثم تُمحى بالدم.
ما ذنبه؟
أنّه وُلد على شرفة البحر، فصار الموج شاهدًا على دموعه؟
أم أنّه أحبّ الحياة أكثر ممّا ينبغي، فعوقب بأن تُنتزع منه كلّ مرّةٍ وهو يحاول ترميمها؟
ما ذنبه
أنّه وُلد في وطنٍ اسمه لبنان، وفي مدينةٍ اسمها بيروت كانت تُلقَّب بباريس الشرق، فإذا بها تتحوّل إلى دفتر أحزان الشرق؟
أنّه تعلّم في مدارسها معنى التنوّع، فإذا بالتنوّع يُستدرج إلى ساحات الاقتتال؟
خمسون عامًا…
جيلٌ وُلد على هدير القذائف، كبر على صخب المولّدات، وحلم على ضوء شمعة.
جيلٌ رأى الليرة تُذبح، والمصارف تُقفل أبوابها في وجه أعمار الناس، والبحر يتحوّل منفذًا للهرب بدل أن يكون فسحة أمل.
ولم تكن المأساة حربًا واحدة.
فبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، تعرّض لبنان لاجتياحاتٍ واعتداءاتٍ متكرّرة، كان أبرزها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم جاءت حرب تموز لتعيد الجنوب والضاحية والقرى إلى دائرة النار.
حروبٌ عبثية دفع أثمانها الفقراء من بيوتهم وأرزاقهم، فيما الكبار يتقاسمون الخرائط والخطابات.
ومع ذلك…
في كلّ مرّة كان اللبناني يعيد بناء ما تهدّم،
لا لأنّه اعتاد الخراب،
بل لأنّه يرفض أن يتصالح معه.
ما ذنب الأم التي دفنت ابنها مرّتين؟
مرّةً في الحرب، ومرّةً حين دفنته الهجرة في مطارات العالم؟
ما ذنب الأب الذي أفنى عمره في الوظيفة، ليكتشف أنّ تعبه تبخّر مع رقمٍ على شاشة مصرف؟
أيّها العالم…
لبنان ليس خبرًا عابرًا في نشرة.
ليس صورة انفجارٍ تُبثّ ثم تُنسى.
ليس ساحةً لتصفية الحسابات.
إنّه شعبٌ يريد فقط أن يعيش.
أن يستيقظ صباحًا بلا خوف،
أن يخطّط لغده بلا قلق،
أن يثق بأنّ تعبه لن يُسرق، وأنّ صوته لن يُختطف.
منذ 1975 حتى اليوم، تعاقبت الحروب والوصايات والانقسامات والانهيارات الاقتصادية.
تغيّرت الوجوه… وبقي الوجع.
تبدّلت الشعارات… وبقي السؤال.
هل ذنب اللبناني أنّه آمن بكلّ عهدٍ جديد؟
أنّه صوّت؟
أنّه انتظر؟
أنّه صبر؟
نصف قرنٍ من القهر يكفي ليجعل الحجر يصرخ.
لكنّ اللبناني لم يتحوّل حجرًا.
ظلّ يغنّي، ويكتب، ويبني، ويضحك في قلب المأساة.
كأنّه يقول للقدر:
لن أكون الضحية الأبدية.
أيّها العالم…
إن كنتم تبحثون عن معجزة، فانظروا إلى هذا الشعب.
كلّما سقط، قام.
كلّما انكسر، التأم.
لكن حتى المعجزات… تتعب.
خمسون عامًا ليست رقمًا.
إنّها أعمارٌ كاملة عاشت في الانتظار:
انتظار دولةٍ تحمي،
انتظار قضاءٍ يُنصف،
انتظار وطنٍ يكون وطنًا حقًا.
ولذلك…
بعد نصف قرنٍ من الألم،
ما زال اللبناني يرفع السؤال نفسه إلى العالم:
ما ذنب اللبناني؟