24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"نبض الحياة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-03-08
"نبض الحياة"!

في كلِّ عامٍ يمرّ اليوم العالمي للمرأة، تتجدّد مناسبة لا للاحتفال فحسب، بل للتأمّل في الدور العميق الذي تؤدّيه المرأة في صناعة الحياة وصياغة المجتمع. فالمرأة ليست مجرّد نصف المجتمع كما يُقال، بل هي القلب الذي يمدّه بالدفء، والعقل الذي يرفده بالحكمة، واليد التي تبني بصبرٍ وأناة.

لقد أثبتت المرأة العاملة، عبر العقود، أنّها قادرة على الجمع بين أدوارٍ متعدّدة دون أن تفقد بريقها الإنساني. فهي في عملها مثال الكفاءة والالتزام، وفي بيتها عنوان الحنان والرعاية، وفي مجتمعها طاقة إبداعٍ وتوازن. وبين هذه الأدوار المتشابكة، تقف المرأة شامخةً كجسرٍ يصل بين الحلم والواقع، وبين الأمل والإنجاز.

غير أنّ الدور الأسمى الذي تضطلع به المرأة يظلّ دور الأمومة؛ فالأم ليست فقط من تمنح الحياة، بل هي من تصوغ ملامحها الأولى. من حضنها يتعلّم الطفل معنى الأمان، ومن صوتها يتعرّف إلى اللغة الأولى للحب، ومن صبرها يكتسب دروس العطاء والتضحية. ولذلك فإنّ الأم، في جوهرها، ليست فردًا في المجتمع فحسب، بل هي المدرسة الأولى التي يتخرّج منها الإنسان.

المرأة العاملة اليوم تواجه تحدّيات كثيرة؛ فهي مطالبة بأن تكون ناجحة في عملها، حاضرة في بيتها، فاعلة في مجتمعها. ومع ذلك، نجدها تمضي بثقة، مدفوعةً بإيمانها بأنّ رسالتها أكبر من حدود الوظيفة أو إطار المنزل. إنّها شريكة في صناعة المستقبل، وصوتٌ للحياة في وجه القلق والتعب.

ولعلّ أجمل ما في المرأة العاملة أنّها لا تحمل طموحها لنفسها وحدها، بل تحمله لأبنائها وأسرتها ومجتمعها. فهي حين تنجح، تفتح أبواب الأمل لغيرها، وحين تصبر، تعلّم الأجيال معنى الصمود، وحين تحبّ، تمنح العالم جرعةً إضافية من الإنسانية.

في مجتمعنا اللبناني، كما في سائر المجتمعات الحيّة، كانت المرأة دائمًا في الصفوف الأولى: معلّمةً تبني العقول، وطبيبةً تحفظ الحياة، وقاضيةً ترسّخ العدالة، وكاتبةً تضيء الفكر، وأمًّا تصنع المستقبل في صمتٍ نبيل. وكلّ إنجازٍ تحقّقه المرأة هو في الحقيقة خطوةٌ إضافية نحو مجتمعٍ أكثر عدلاً وتوازنًا.

إنّ تكريم المرأة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالاعتراف الحقيقي بقدرتها، وبمنحها الفرص التي تستحقّها، وبالاحتفاء بدورها الذي لا غنى عنه في بناء الأوطان. فالمرأة حين تزدهر، يزدهر المجتمع معها، وحين تُصان كرامتها، ترتفع قيمة الإنسان بأسره.

وفي هذه المناسبة، يبقى أجمل ما يمكن أن يُقال للمرأة، وخصوصًا للأم العاملة التي تنسج أيامها بين المسؤولية والتعب والأمل: إنّكِ لستِ فقط صانعة حياة، بل صانعة معنى للحياة نفسها.

فكلّ عامٍ والمرأة نبضُ المجتمع، وروحه التي لا تنطفئ.

القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة