25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "المعلّم… رُكنُ النهضة"!
"المعلّم… رُكنُ النهضة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-03-09
"المعلّم… رُكنُ النهضة"!

في كلِّ عامٍ يجيء عيدُ المعلّم ليذكّرنا بأنّ للأمم أعمدةً تقوم عليها، فإذا اضطربت تلك الأعمدة اضطرب البناء كلّه. وليس في المجتمع ركنٌ أشدُّ رسوخًا من المعلّم؛ فهو الحارس الأمين على العقل، والوسيط بين الإنسان ومعرفته، واليد التي تمتدّ إلى الأجيال فتفتح لها أبواب الفهم.

التعليم في حقيقته ليس نقلًا للمعلومات، بل هو فعلُ إيقاظٍ للعقل الإنساني. فالمعلّم لا يكدّس المعارف في الذاكرة بقدر ما يوقظ في النفس القدرة على السؤال، ويزرع في الفكر جرأة النظر، ويهدي التلميذ إلى طريقٍ يرى فيه العالم بعينٍ ناقدةٍ وروحٍ متطلّعة. ومن هنا كانت رسالته أعمق من وظيفةٍ يومية، لأنّ أثرها لا يقف عند حدود الصفّ، بل يمتدّ إلى تشكيل الإنسان في وعيه وسلوكه وموقفه من الحياة.

لقد أدركت الحضارات الكبرى هذه الحقيقة، فجعلت للعلم منزلةً تعلو على ضجيج المصالح العارضة. وكان المعلّم في صميم هذا البناء الثقافي؛ به تنتقل التجربة من جيلٍ إلى جيل، وبه تتراكم المعرفة حتى تغدو قوّةً قادرة على تغيير الواقع. والكلمة التي تُقال في درسٍ هادئ قد تتحوّل إلى فكرةٍ تشقّ طريقها في المجتمع، فتبدّل ما كان راكدًا فيه.

غير أنّ الاعتراف بمكانة المعلّم لا ينبغي أن يبقى حبيس المناسبات. فتكريمه الحقيقي يكون حين يستعيد التعليم قيمته في الضمير العام، وحين يشعر المعلّم أنّ المجتمع يرى في رسالته عمادًا من أعمدة تقدّمه. ذلك أنّ الأمم لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، بل بنوعية العقول التي تدير تلك الموارد وتوجّهها.

وعيد المعلّم، في معناه العميق، دعوةٌ إلى مراجعة العلاقة بين المجتمع ومدرسته؛ لأنّ المدرسة ليست بناءً من حجر، بل فضاءٌ يتكوّن فيه وعي الإنسان منذ خطواته الأولى. وفي قلب هذا الفضاء يقف المعلّم، ثابتًا في موقعه، يمدّ الأجيال بأدوات المعرفة، ويقودها إلى آفاقٍ أرحب من الفهم والإدراك.

لهذا كلّه يبقى المعلّم ركنًا أصيلًا في نهضة المجتمع، وضميرًا حيًّا في مسيرة الثقافة. وما تكريمه في عيده إلا اعترافٌ بدوره العميق في صياغة الإنسان، وفي ترسيخ القيم التي تجعل من المعرفة طريقًا إلى الكرامة والتقدّم.

جنوبيات
أخبار مماثلة