24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الضفة الغربية… العنف الصامت وإعادة تشكيل الواقع
الضفة الغربية… العنف الصامت وإعادة تشكيل الواقع
د. عبد الرحيم جاموس
2026-03-09
الضفة الغربية… العنف الصامت وإعادة تشكيل الواقع

بينما تنشغل أنظار العالم بالحروب الكبرى والتوترات الإقليمية المتصاعدة، تتوارى مأساة أخرى أقل صخباً لكنها لا تقل خطورة عمّا يجري في ساحات الصراع المفتوحة. ففي الضفة الغربية تتشكل يومياً ملامح واقع جديد، حيث تتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم في ظل مناخ سياسي وأمني يسمح بتوسيع دائرة العنف وفرض وقائع ميدانية تتجاوز حدود الحوادث الفردية أو المواجهات العابرة.
لقد شهدت السنوات الأخيرة، وبشكل خاص في ظل الاضطرابات الإقليمية والحروب التي تضرب المنطقة، تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون مسلحون ضد القرى والتجمعات الفلسطينية. هذه الاعتداءات لا تقتصر على الاحتكاكات اليومية أو الاشتباكات المحدودة، بل تمتد إلى إطلاق النار، وإحراق الممتلكات، وتخريب الأراضي الزراعية، والاعتداء على المزارعين أثناء عملهم في حقولهم، فضلاً عن محاولات متكررة لفرض السيطرة على التلال والطرق الريفية والمناطق الزراعية.
ومع تكرار هذه الحوادث، بدأت تتشكل لدى كثير من الفلسطينيين قناعة بأن ما يجري ليس مجرد انفلات أمني أو تصرفات متطرفة معزولة، بل نمط متواصل من الضغوط يهدف إلى دفع السكان تدريجياً إلى ترك أراضيهم أو الحد من قدرتهم على استثمارها. وفي مناطق عديدة، خصوصاً في جنوب الخليل والأغوار وشمال الضفة الغربية، باتت بعض التجمعات الفلسطينية الصغيرة تعيش تحت ضغط يومي يدفعها إلى مواجهة سؤال البقاء في أرضها في ظل ظروف قاسية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في العنف المباشر، بل في آثارها التراكمية على الجغرافيا والديموغرافيا. فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، أو يخشى الراعي من الاقتراب من المراعي، أو تضطر العائلات إلى مغادرة مناطقها بفعل الخوف المستمر، فإن النتيجة الفعلية تكون تغييراً تدريجياً في الواقع السكاني والجغرافي لصالح التوسع الاستيطاني.
ويأتي ذلك في سياق سياسي أوسع يتمثل في استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وهو ما ظل لعقود أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية عادلة للصراع. 
فكل مستوطنة جديدة، وكل طريق التفافي، وكل بؤرة استيطانية تُفرض على الأرض، تعني عملياً تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين وتآكل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن هذه التطورات تجري غالباً في ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، سواء كانت حروباً إقليمية أو صراعات دولية أو أزمات اقتصادية عالمية. 
وفي مثل هذه اللحظات تتراجع الضفة الغربية إلى هامش الاهتمام الدولي، الأمر الذي يتيح استمرار هذه الوقائع الميدانية دون ضغط سياسي كافٍ لوقفها أو الحد منها.
لكن التاريخ يثبت أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إنهائه، بل إلى تعميقه. 
فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد قضية حدود أو ترتيبات أمنية، بل قضية شعب يسعى إلى الحرية والكرامة وتقرير المصير. وكلما تعمق الشعور بالظلم والحرمان، ازدادت احتمالات الانفجار في لحظة قد تعيد إشعال الصراع بأشكال أكثر تعقيداً وخطورة.
ومن هنا فإن ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة أو تطورات محلية محدودة، بل هو جزء من معركة أوسع على الأرض والهوية والمستقبل.
 إنها معركة صامتة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها تداعيات استراتيجية قد ترسم ملامح المرحلة القادمة من الصراع في فلسطين.
وفي قلب هذه المعادلة الصعبة، يبقى الفلسطيني متمسكاً بأرضه رغم الضغوط الهائلة، مدركاً أن الصراع على هذه الأرض لم يكن يوماً صراع لحظة، بل صراع وجود وحق تاريخي لا يمكن أن يسقط بالتقادم أو بالقوة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على العالم: إلى متى يمكن ترك هذا الواقع يتفاقم دون أفق سياسي عادل يضع حداً للاحتلال ويعيد فتح الطريق أمام سلام حقيقي قائم على العدالة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؟

جنوبيات
أخبار مماثلة