أخبرني صديقٌ قديم قصّةً طريفةً في مبناها، ظريفةً في معناها، ومفادها أنّه، في هذه الأيّام الصعبة التي نمرّ بها، وما يرافقها من آلامٍ على مختلف الصعد، فوجئ راعي أغنام بسيّارةٍ فارهةٍ تقف بالقرب من قطيعه. ترجّل منها شابٌّ وسيم المظهر، حسن الهندام، موجّهًا كلامه إلى الراعي قائلًا: إذا قلتُ لك كم عدد القطيع الذي ترعاه، فهل تعطيني واحدًا منه؟
اندهش الراعي وأجاب: نعم، أعطيك.
عندها أخرج الشابّ جهاز الكمبيوتر المحمول من سيّارته، وأوصله بهاتفه النقّال، ودخل إلى الإنترنت، وفتح موقعًا حصل من خلاله على خدمة تحديد الموقع عبر الأقمار الاصطناعيّة (جي. بي. إس)، ثمّ ولج إلى بنك المعلومات، واستخرج تقريرًا أجرى في ضوئه حسابًا دقيقًا. ثمّ التفت إلى الراعي قائلًا: «لديك 455 رأسًا من الأغنام، و70 رأسًا من الماعز». (وكان ذلك صحيحًا).
وبدهشة المتحيّر، قال الراعي: تفضّل واختر الشاة التي تعجبك.
دخل الشابّ بين القطيع، وأخذ يجول بينها، حتّى وقع اختياره على «بهيمة»، فحملها ووضعها في صندوق السيّارة الخلفيّ. عندها نظر إليه الراعي وقال: أنت رجل سياسة؟
فدهش الشابّ وقال: نعم، هذا صحيح، ولكن كيف عرفت ذلك؟
فأجابه الراعي: الأمر في غاية البساطة، وسأورده لك:
أوّلًا: التطفّل على أملاك الغير، والطمع في أيّ فتاتٍ منها؛ فقد أتيتَ إلى هنا من دون أن يطلب منك أحد المجيء.
ثانيًا: ادّعاء معرفة كلّ شيء.
ودليلنا على ذلك أنّك لم تستطع التفريق بين الكلب والشاة، ولم يُعجبك من بين هذا القطيع إلّا الكلب!
لذا، أرجو أن تُخرج كلبي من صندوق سيّارتك، لأنّه ليس خروفًا ولا تيسًا!
إنّها حكاية الراعي مع السياسيّ، وما تحمله من مآسٍ في زمن القهر والخذلان والنفاق والحرمان، حيث يغدو الخطأ معرفةً، والوهمُ إنجازًا، والكلّ إمّا غافلٌ أو متناسٍ.
ولعلّ أخطر ما في الحكاية ليس ذاك الشابّ، بل أولئك الذين يصفّقون له، ويُسلّمون له القطيع، ثمّ يكتشفون متأخّرين أنّهم كانوا شهودًا على سرقةٍ باسم الذكاء، وخديعةٍ تُتقن ارتداء ثوب المعرفة.
فاقرأوا جيّدًا… فليست كلّ الأرقام حقيقة، ولا كلّ من عرف العدّ يعرف الفرق بين الكلب والخروف.