24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

"كرم خفي"!
القاضي م جمال الحلو
2026-04-17
"كرم خفي"!

تُروى عن الأصمعي حكايةٌ تفيض بمعاني المروءة وتكشف جوهر الكرم حين يكون خالصًا لله، منزّهًا عن الرياء والمباهاة. قال: كنتُ أزور رجلًا لكرمه وسخائه، ثم انقطعتُ عنه زمنًا، فلما عدتُ إليه قصدتُ بابه، فإذا هو مُغلق. فكتبتُ رقعةً أعاتبه فيها بلطف، جاء فيها:

إذا كان الكريمُ له حجابٌ
فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ؟

وأرسلتُها إليه، ووقفتُ مترقّبًا الردّ. فما لبثتُ أن عادت الرقعة، وقد كُتب على ظهرها:

إذا كان الكريمُ قليلَ مالٍ
تستّر بالحُجّابِ عن الغريمِ

ولم يكن الردّ شعرًا فحسب، بل كان فعلًا يترجمه؛ إذ أُرفقت الرقعة بصُرّةٍ فيها خمسمائة دينار.

يقول الأصمعي: أعجبتُ بما رأيتُ من أدب الجواب وصدق العطاء، فقلتُ: لأعرضنّ هذه الحكاية على أمير المؤمنين المأمون. فلما دخلتُ عليه، قصصتُ الخبر، ووضعتُ الرقعة والصُّرّة بين يديه. فتأمّل الصُّرّة مليًّا، ثم قال: يا أصمعي، إن هذه بختم بيت المال، فأتني بصاحبها.

تحرّجتُ من ذلك وقلتُ: يا أمير المؤمنين، لقد أحسن إليّ الرجل، فهلّا أعفيتني؟ فأبى إلا إحضاره، على أن لا يُروَّع. فلما حضر، نظر إليه المأمون وقال: ألستَ صاحب الشكوى بالأمس، حين عرضتَ علينا ضيق حالك وكثرة عيالك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: وقد أمرنا لك بخمسمائة دينار؟ قال: نعم، وهي هذه. قال: فلم دفعتها للأصمعي في بيتٍ من الشعر؟ فقال الرجل في بساطة الواثق: استحييتُ من الله أن أردّ قاصدي، كما لم يردّني أمير المؤمنين بالأمس.

عندها أشرق وجه المأمون إعجابًا، وقال: لله درّك! ما أكرم خُلقك وأوفى مروءتك. ثم أمر له بألف دينار، جزاءً لفعله، وتكريمًا لخلقه.

إنها ليست حكايةً عن مالٍ يُعطى، بل عن روحٍ تعرف معنى العطاء، وعن إنسانٍ أدرك أن الكرم ليس في الفضل عن الحاجة، بل في تقديم الغير على النفس، ولو في ساعة ضيق. فالناس للناس ما دام الوفاء رابطهم، والعسر واليسر دولٌ متعاقبة، لا تثبت على حال.

وأكرم الناس بين الورى من جُعلت حوائج الناس تُقضى على يديه، ومن لم يقطع يد المعروف ما دام قادرًا، مستحضرًا أن الأيام دول، وأن الفضل مردودٌ إلى أهله، يومًا أو بعد حين. وما أبلغ الحكمة التي تختم هذه القصة: فقد يموت أقوامٌ وتبقى فضائلهم حيّةً في الذاكرة، وقد يعيش آخرون، وهم في أعين الناس كأنهم أموات، لا أثر لهم ولا ذكر.

هكذا يُخلّد الكرمُ صاحبه، لا بما أعطى من مال، بل بما زرع من أثر.

جنوبيات
أخبار مماثلة