24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الدرس الإسباني
الدرس الإسباني
غازي العريضي
2026-04-22
الدرس الإسباني

 

منذ النصف الثاني للعقد الثلاثين في القرن الماضي، والمنظمة الصهيونية تطارد إسبانيا. ومع قيام دولة الاغتصاب والإحتلال اسرائيل، تصاعدت المواجهة، خصوصاً بعد حرب ال 67 واحتلال اسرائيل لأراض عربية واسعة بما فيها القدس. وفي حرب ال 73، منعت إسبانيا الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية لإرسال أسلحة الى اسرائيل، مطالبة الأخيرة بموقف ثابت، وهو الانسحاب من الأراضي العربية واحترام القوانين والقرارات الدولية. وفي العام 1974، تقدمت الحكومة الإسبانية خطوة إضافية الى الأمام، إذ صوتت على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً لهم. وبقيت الأمور متوترة حتى عام 1986، عندما اضطرت إسبانيا للاعتراف، نظراً لحاجتها الانضمام الى المجموعة الأوروبية، لكنها بقيت ثابتة داعمة حق الشعب الفلسطيني، ودعت عام 1989 الى مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية. عام 2012، اعترفت بدولة فلسطين كمراقب في الأمم المتحدة. ثم اعترفت بها دولة كاملة العضوية عام 2024، وفرضت عقوبات ضد مستوطنين اعتدوا على مواطنين فلسطينيين وأملاكهم، وكانت لها مواقف متقدمة في فضح الجرائم الاسرائيلية، وصولاً الى وصفها بالإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين الأبرياء في غزة، والانضمام الى الدعوى المقدمة لدى محكمة العدل الدولية لإدانتها، الأمر الذي دفع نتانياهو لاحقاً الى رفض مشاركة إسبانيا في مركز التنسيق المدني العسكري في غزة، الذي أقرّ بالتلازم مع " مجلس السلام "!!

رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لم يتوقف عن تأييد " القضية الفلسطينية " وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة " الظلم " " والإبادة "، وتقرير مصيره والمطالبة بحريته، فسحب سفيرته من " تل أبيب ". وبعد إعلان الحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران، وما خلّفته من خسائر وخراب ودمار، والحرب الاسرائيلية على لبنان والدعم الأميركي لها، اتخذت حكومته سلسلة قرارات ومواقف، منها:

  • حظر عبور السفن التي تنقل السلاح الى اسرائيل عبر الموانئ الإسبانية، ومرور الطائرات الأميركية المحملة بالسلاح في الأجواء الإسبانية والمتجهة الى اسرائيل أو المشاركة في الحرب المشتركة معها ضد إيران.

  • منع الأشخاص المتورطين في الإبادة من دخول الأراضي الإسبانية، والحد من الخدمات القنصلية للأشخاص في المستوطنات غير الشرعية.

  • تعزيز الدعم للقضية الفلسطينية، وإقامة مشاريع جديدة في مجالي الزراعة والصحة.

  • توسيع المساهمة في وكالة غوث اللاجئين " الأونروا " التي تريد اسرائيل شطبها.

  • زيادة المخصصات الإنسانية الى 150 مليون أورو.

وتطور الموقف الى حد مبادرة المحكمة الوطنية الإسبانية فتح تحقيقات أولية لملاحقة نتانياهو وقادة عسكريين، نتهمة الاعتقال غير القانوني لجندي إسباني يعمل ضمن قوات اليونيفيل في جنوب لبنان.

ودعا وزير الخارجية مانويل الباريس الى وقف القصف العشوائي على لبنان والانسحاب من الجنوب، مع تأييد نزع سلاح حزب الله، وضرورة أن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّع بين أميركا وإيران لبنان، مقدماً اقتراحاً الى الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على اسرائيل، وتأكيد احترام وحدة الأراضي اللبنانية، وإدانة مساعي اسرائيل لعزل وتقسيم الأراضي اللبنانية وتدمير الجسور، داعياً أيضاً المجتمع الدولي "الى التحرك لمنع إفلات هذه الأفعال مــن العقاب"!!

وأعلن رئيس الحكومة سانشيز موقفاً ضد الحرب على إيران ولبنان، فقال: " يجب وضع حد لهذه الحرب التي تسبّبت بخسائر بشرية كبيرة ونزوح ملايين البشر في الشرق الأوسط. وكلفت تريليونات " أورو "، وخلّّفت آثاراً اقتصادية كبيرة التأثير على دخل الناس، أدعو الذين اشعلوا هذه الحرب الى وقفها وأن يضعوا حداً لنتانياهو "!!

ومع وقوع مجزرة بيروت في يوم " الأربعاء الأسود "، دعا الى إلغاء الشراكة الأوروبية مع اسرائيل، وتقدّم بطلب رسمي بهذا الخصوص مع سلوفينيا وإيرلندا الى الاتحاد الأوروبي، لكن الاقتراح لم يمر. وقامت قيامة اسرائيل وأميركا ضده، فقال: " انتهى زمن اليمين المتطرف. لديهم الكراهية والسياسات الخاطئة والشعارات الفارغة. سنعيد بناء ما هدموه ".

وفي خطوة تصعيدية ضد الأميركيين، وقّع 19 اتفاقية مع الصين، داعياً الى دور أكبر لها لدعم الاستقرار الدولي " ولعالم متعدد الأقطاب "، مخاطباً أوروبا بضرورة " اعتماد مقاربة واقعية براغماتية قائمة على تحقيق المصالح المشتركة ".

هذه المواقف تزامنت مع حالة من الغضب الشعبي بلغت حد حرق دمية خلال الاحتفال بعيد الفصح. عادة الدمية التي تحرق تكون ل " يهوذا "، لكن هذه المرة كانت " لنتانياهو ". فشنّت حملة ضد المحتفلين والحكومة الإسبانية، وتمّ اللجوء كالعادة الى تهمة " معاداة السامية "!!

كذلك فإن لاعبات المنتخب الإسباني لكرة اليد، وخلال مباراة لهن مع المنتخب الاسرائيلي لبطولة أوروبا في غرناطة، فازت إسبانيا، لكن الحدث كان في أحذية اللاعبات التي نقش عليه شعار: " من النهر الى البحر " في إشارة الى اسرائيل!! ورفعت شعارات " الحرية لفلسطين ". ردّت اسرائيل بوصف ما جرى أنه " احتجاج سياسي " في حدث رياضي، " كأن ما تفعله هي في كل المناسبات أمر أخلاقي إنساني ".

تصاعدت الحملة على سانشيز وحكومته، وشنّت حملة متهمة إياه أنه يفعل ذلك للتستر على فضائح تتعلق بزوجته وعدد من الوزراء. أياً تكن الإتهامات، فالموقف من اسرائيل يعود الى عقود طويلة من الزمن، ولا شيئ يمكن أن يمحى من سجلات التاريخ. وتاريخ اسرائيل أسود. أما سانشيز فقد قال: " نريد ان نكون في الجانب الصح من التاريخ ". وهذا القول مهم جداً، وقد ينجح المرء في تحقيق أهدافه وقد لا ينجح، لكن أن يبقى في الجانب الصح من التاريخ فتلك مسألة تحمل الكثير من التحدي والمعاناة، وفيها الضمير والأخلاق والمسؤولية الإنسانية. والدرس الإسباني اليوم مهم جداً. أما المؤلم فهو أن العرب مجتمعين لم يتخذوا موقفاً يتوافق مع الحد الأدنى من الشعارات التي رفعت، وما تعرضوا ويتعرضون له، بل يذهب بعضهم الى اسرائيل. هنا شرف البقاء في الجانب الصح من التاريخ. تحية الى إسبانيا وشعبها.

أخبار مماثلة