24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الديمغرافيا والكيانية: صراع الوجود وحدود الحسم
الديمغرافيا والكيانية: صراع الوجود وحدود الحسم
د. عبد الرحيم جاموس
2026-04-28
الديمغرافيا والكيانية: صراع الوجود وحدود الحسم

ليست المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي مجرد نزاع على حدودٍ أو ترتيباتٍ سياسية قابلة للأخذ والرد، بل هي في جوهرها صراعٌ على الوجود والمعنى معاً؛ صراعٌ يتجاوز الجغرافيا إلى سؤال أعمق: من يملك الحق في البقاء؟
 ومن يمتلك القدرة على تعريف الأرض وروايتها وتاريخها؟ 
ومن هنا تتبلور معادلتان حاسمتان تحكمان مسار الصراع: الديمغرافيا، والكيانية الفلسطينية.
منذ نشأة المشروع الصهيوني، لم تكن الأرض هدفاً مجرداً، بل كانت دائماً مشروطة بإعادة تشكيلها سكانياً، ففكرة "الأغلبية اليهودية" لم تكن خياراً سياسياً عابراً، بل ركيزة بنيوية في تعريف الدولة لنفسها وضمان استمراريتها.
 ولهذا، لم تكن سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي والتحكم في الموارد سوى أدوات ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي، بما يخلق توازناً سكانياً مختلاً لصالح هذا المشروع.
غير أن الديمغرافيا، رغم مركزيتها، لا تعمل في الفراغ. فالأرقام، مهما بلغت، لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية ما لم تتجسد في كيان جامع قادر على التعبير عنها وحمايتها. 
وهنا تتجلى أهمية الكيانية الفلسطينية بوصفها الإطار الذي يمنح الوجود معناه السياسي والتاريخي. 
لذلك، لم يكن استهداف هذه الكيانية - بالتفكيك أو الإضعاف أو تغذية الانقسام - عارضاً، بل جزءاً أصيلاً من إدارة الصراع، لأن تفريغ الشعب من إطاره الجامع يجعله أقل قدرة على تحويل حضوره العددي إلى فعل مؤثر.
وفي السنوات الأخيرة، أخذت المعادلة الديمغرافية بعداً أكثر حساسية. فقد تواترت تقارير ودراسات، بعضها صادر عن مراكز بحثية إسرائيلية ودولية، تشير إلى حالة من التقارب، بل التعادل أحياناً، بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مجمل فلسطين التاريخية، مع وجود تقديرات تتحدث عن تفوق عددي فلسطيني عند احتساب الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن المشهد السكاني. 
هذا التحول - أو حتى مجرد احتماله - أعاد إحياء هاجس "لخطر الديمغرافي" في الوعي السياسي الإسرائيلي، باعتباره تهديداً مباشراً لطبيعة الدولة وهويتها.
ومن هنا، يمكن فهم كثير من السياسات المتبعة لا باعتبارها إجراءات منفصلة، بل كجزء من استراتيجية احتواء ديمغرافي مركّبة: تكثيف الاستيطان لفرض وقائع سكانية جديدة، التضييق على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني، تعقيد شروط الإقامة ولمّ الشمل، التحكم في الحركة والموارد، وإدارة الجغرافيا بأسلوب يُبقي التجمعات الفلسطينية مجزأة ومعزولة. إنها سياسات تُقدَّم غالباً تحت عناوين أمنية أو إدارية، لكنها في جوهرها تتقاطع مع هدف أعمق: منع تشكل أغلبية فلسطينية مؤثرة، أو الحد من قدرتها على التحول إلى قوة سياسية ضاغطة.
ومع ذلك، فإن اختزال الصراع في الديمغرافيا والكيانية وحدهما، رغم مركزيتهما، لا يكفي لفهم المشهد بكامل تعقيداته. 
فهناك اعتبارات أمنية حاضرة بقوة في التفكير الإسرائيلي، كما تلعب التيارات الأيديولوجية والدينية دوراً في تغذية مشاريع التوسع والاستيطان، فضلاً عن تأثير البيئة الدولية والإقليمية التي كثيراً ما تعيد ضبط إيقاع الصراع وتمنع انزلاقه نحو حسم نهائي. ولهذا، ظل "إدارة الصراع" خياراً مفضلاً في كثير من المراحل، بدلاً من المغامرة بحسمه.
في المقابل، تكشف التجربة الفلسطينية عن حقيقة عميقة: الكيانية ليست مجرد مؤسسات أو هياكل سياسية، بل هي قبل ذلك وعي جمعي وهوية متجذرة وقدرة مستمرة على إعادة إنتاج الذات. 
فرغم ما تعرضت له من ضربات وانقسامات وضغوط، بقيت الفكرة الوطنية حاضرة، تتجدد في أشكال متعددة، من الفعل السياسي إلى الثقافة إلى المقاومة الشعبية.
 وهذا ما يجعل أي رهان على "إنهاء الكيانية" رهاناً قاصراً، لأنه يتجاهل أن الكيانات قد تضعف، لكنها لا تُمحى ما دام الوعي الذي يحملها حياً.
إن جوهر المعركة، في نهاية المطاف، لا يُحسم بالأرقام وحدها، ولا بالسيطرة المادية فحسب، بل بقدرة كل طرف على تثبيت روايته، وترسيخ وجوده، وتحويل عناصر قوته - الديمغرافية والسياسية - مشروع متكامل قابل للاستمرار. 
وبينما تسعى إسرائيل إلى إعادة ضبط ميزان الديمغرافيا وتفكيك الكيانية الفلسطينية، يبقى التحدي الفلسطيني متمثلاً في حماية الحضور البشري، واستعادة الوحدة، وبناء كيان سياسي قادر على تحويل هذا الحضور إلى قوة فاعلة ومؤثرة.
 خلاصة القول:
قد تنجح القوة في فرض وقائع مؤقتة، وقد تتمكن السياسات من إبطاء تحولات بعينها، لكن التاريخ يُظهر أن الشعوب لا تُقاس فقط بأعدادها، ولا تُختزل في كياناتها الرسمية. فحين تتجذر الإرادة الجمعية، تتحول إلى قوة تتجاوز كل محاولات الاحتواء، وتفرض نفسها مع الزمن كحقيقة لا يمكن إنكارها. وبين الديمغرافيا والكيانية، تبقى معادلة البقاء مفتوحة - لا يحسمها طرف واحد، بل يحددها صمود الإرادة وقدرتها على تحويل الوجود إلى معنى، والمعنى إلى مستقبل.

 

أخبار مماثلة