24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم حركة "فتح".. بين استحقاق المؤتمر الثامن واستعادة الدور
حركة "فتح".. بين استحقاق المؤتمر الثامن واستعادة الدور
د. عبد الرحيم جاموس
2026-05-01
حركة "فتح".. بين استحقاق المؤتمر الثامن واستعادة الدور

تدخل حركة فتح مؤتمرها الحركي الثامن في لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، بما يجعل من هذا الاستحقاق أكثر من مجرد محطة تنظيمية؛ إنه اختبار لقدرتها على إعادة تعريف ذاتها، واستعادة موقعها الطبيعي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني. ومع اكتمال الاستعدادات لانعقاده بمشاركة تمثل مختلف مكوناتها في الداخل والخارج، تتجه الأنظار إلى ما سيحمله من قرارات، لكن الأهم: ما سيؤسس له من اتجاهات.
منذ انطلاقتها بقيادة ياسر عرفات، شكّلت فتح التعبير الأبرز عن الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ونجحت في تحويل حالة الشتات إلى مشروع سياسي جامع.
 غير أن التحول الذي أعقب اتفاق أوسلو وضعها أمام معادلة صعبة: كيف تجمع بين دورها كحركة تحرر وطني وبين متطلبات إدارة سلطة تحت الاحتلال؟ هذا التناقض لم يُحسم، بل تراكمت آثاره، فانعكس على الأداء السياسي والتنظيمي، وأنتج حالة من الضبابية في الرؤية، والارتباك في الأولويات.
اليوم، تقف الحركة أمام مجموعة من التحديات المركبة التي لا يمكن تجاوزها بإجراءات جزئية:

أولًا: التحدي التنظيمي
تعاني فتح من تراجع فاعلية أطرها الداخلية، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة، خاصة في أوساط الشباب.
 لم تعد الشرعية التنظيمية تُقاس بالانتماء التاريخي فقط، بل بمدى القدرة على الفعل والتأثير. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل سينجح المؤتمر في إعادة بناء البنية التنظيمية على أساس الكفاءة والمساءلة، أم سيبقى أسير التوازنات التقليدية؟

ثانيًا: التحدي السياسي
في ظل انسداد الأفق السياسي، وتراجع فرص التسوية، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بإدارة الواقع القائم. المطلوب هو إعادة تعريف الاستراتيجية السياسية: ما هو شكل النضال في هذه المرحلة؟ وكيف يمكن توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية والشعبية بشكل متكامل؟ إن وضوح هذا المسار هو ما سيمنح الحركة قدرتها على المبادرة بدل الاكتفاء برد الفعل.

ثالثًا: التحدي الوطني
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل الانقسام. استمرار القطيعة مع حركة حماس لا يضعف طرفًا بعينه، بل يضعف الكل الفلسطيني. من هنا، فإن أي مخرجات لا تضع إنهاء الانقسام في قلب أولوياتها ستبقى منقوصة، بل فاقدة لأحد أهم شروط النجاح.

رابعًا: التحدي الإقليمي والدولي
العالم من حولنا يتغير بسرعة. أولويات القوى الكبرى لم تعد كما كانت، والقضية الفلسطينية لم تعد تتصدر الأجندة الدولية كما في السابق. هذا الواقع يفرض على فتح أن تعيد تقديم نفسها وخطابها بلغة جديدة، قادرة على مخاطبة العالم دون التفريط بالثوابت.
في ضوء هذه التحديات، يكتسب المؤتمر الثامن أهميته من كونه فرصة لإحداث تحوّل نوعي، وليس مجرد ترميم شكلي. ويمكن قراءة نتائجه المتوقعة من خلال ثلاثة مسارات:
مسار التجديد الحقيقي: عبر إدماج قيادات شابة، وتكريس معايير النزاهة والكفاءة، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي والمؤسسي.
مسار الوضوح السياسي: من خلال تبني رؤية محددة المعالم، تُنهي حالة التردد، وتحدد أدوات الفعل الوطني في المرحلة المقبلة.
مسار استعادة الثقة: عبر قرارات ملموسة يشعر بها المواطن، لا مجرد شعارات.
غير أن التحدي الأهم لا يكمن في صياغة القرارات، بل في القدرة على تنفيذها. فقد اعتادت الساحة الفلسطينية على مؤتمرات تُنتج توصيات طموحة، لكنها تصطدم بواقع التنفيذ. وهنا، يصبح معيار النجاح الحقيقي هو: ماذا سيتغير بعد المؤتمر؟ وكيف سينعكس ذلك على حياة الناس وعلى مسار القضية؟
خاتمة موجّهة إلى القيادة والكوادر والجمهور:
إن المؤتمر الثامن لـ حركة فتح ليس مناسبة للاحتفال بالماضي، بل فرصة لمساءلة الحاضر وصناعة المستقبل. التاريخ الذي صنعته فتح يمنحها رصيدًا، لكنه لا يضمن لها الاستمرار. فالشعوب لا تعيش على الذكريات، بل على ما يتحقق لها من إنجازات.
إلى القيادة:
إن الشرعية اليوم تُبنى بالفعل لا بالرمزية، وبالقدرة على الإصغاء لا بالاكتفاء بالتوجيه. المطلوب قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لمفهوم الحركة كإطار نضالي حي، لا كهيكل إداري جامد.
إلى الكوادر:
أنتم روح فتح الحقيقية. إعادة الحيوية للحركة تبدأ منكم، من مبادرتكم، ومن قدرتكم على تجديد الخطاب والممارسة.
إلى الشعب الفلسطيني:
إن مستقبل الحركة ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل جزء من مستقبلكم الوطني. دعمكم مشروط بالفعل، وثقتكم تُمنح لمن يستحقها.
في هذه اللحظة الفارقة، تقف فتح أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن تستعيد معناها كحركة تحرر وطني تقود شعبها برؤية متجددة وشراكة حقيقية،
أو أن تواصل التراجع في ظل واقع لا يرحم المترددين.
والتاريخ، كما كان دائمًا، لن ينتظر أحدًا.

جنوبيات
أخبار مماثلة