24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

"خبزُ الثقة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-13
"خبزُ الثقة"!

 

ليس غريبًا أن يُروى عن العرب قديمًا أنّهم، في الأفراح والمناسبات، كانوا يوزّعون قطع اللحم ملفوفةً بالخبز على المدعوّين إكرامًا لهم وإظهارًا للودّ والكرم. غير أنّ بعض أصحاب الفرح، إذا خشي أن يفوق عدد الحاضرين ما لديه من اللحم، كان يلجأ إلى حيلةٍ صامتة؛ فيلفّ بعض الأرغفة بالخبز وحده، من دون لحم، ويوزّعها على المقرّبين ممّن يثق بأنّهم سيسترون الأمر، فلا يفضحونه أمام الناس، توفيرًا للّحم لبقيّة الضيوف.

ويُحكى أنّ أحد أصحاب الأفراح فعل ذلك يومًا، فوزّع الخبز الخالي من اللحم على بعض أقربائه وأصدقائه الذين أحسن الظنّ بهم، فأخذوا يأكلون بصمت وكأنّ الخبز عامرٌ بما فيه، مراعاةً لخاطره وصونًا لموقفه. غير أنّ رجلًا واحدًا فتح رغيفه، ثم نادى صاحب الفرح قائلًا: «يا أبا فلان، إنّ الخبز بلا لحم!»

فنظر إليه صاحب الفرح بأسى وقال: «حقّك عليّ... ظننتك من أهلي.»

وفي هذه الحكاية البسيطة تختبئ حقيقةٌ موجعة من حقائق الحياة؛ فكم نظنّ بأناسٍ أنّهم منّا وفينا، وأنّهم الأمناء على أسرارنا، الحافظون لغيبتنا، الواقفون خلف ظهورنا ساعة العثرة، فإذا بهم أوّل من يكشف العيوب، وأسبق من يخذل عند الامتحان.

وفي زمنٍ يزداد فيه القهر اتّساعًا، وتشتدّ فيه وطأة الفقر والحرمان، "وتتغوّل فيه وتتوغّل" سياسات الفساد والتسلّط والتملّق، يصبح التمييز بين الأصيل والمتلوّن ضرورةً أخلاقية لا ترفًا اجتماعيًا. فالثقة ليست هبةً تُمنح لكلّ عابر، بل مسؤولية تُعطى لمن أثبت معدنَه في المواقف، لا في الأقوال.

لذلك، تأكّدوا جيّدًا لمن توزّعون “خبزكم”، وتخيّروا الأمناء قبل المصفّقين، والصادقين قبل المتزلّفين. لا تمنحوا أسراركم لمن يبيعها عند أوّل مصلحة، ولا تركنوا إلّا إلى أصحاب الكرامة والنخوة والوفاء؛ فالحياة علّمتنا أنّ كثيرًا من الوجوه تبتسم لنا، فيما تخفي خلف ابتسامتها خناجر الغدر والجحود.

وما أكثر الذين خدعتهم المظاهر، فاستيقظوا متأخّرين على حقيقة أنّ القرب لا يعني الوفاء، وأنّ بعض الناس يجاورون القلب طويلًا، لكنّهم لا يسكنونه حقًّا.


القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة