24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

"لا دومري"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-17
"لا دومري"!

كثيرًا ما يُقال: «ما في ولا دومري»، للدلالة على خلوّ المكان من الناس. وكلمة «الدومري» شائعة في الأوساط العربيّة، غير أنّ معناها الحقيقيّ ليس كما يُفهم اليوم.
 

فمن هو «الدومري»؟

قبل التطرّق إلى أصل الكلمة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في أيّام العثمانيّين، وفي الأحياء الشعبيّة القديمة التي كانت مقسّمة إلى حارات عديدة، كان لكلّ حارة رجل يتفقّدها في ساعات الليل المتأخّرة، فيشعل المشاعل والقناديل والفوانيس بعد المغيب لإضاءة الشوارع والأزقّة، ثمّ يعود لإطفائها بعد صلاة الفجر عند شروق الشمس. وقد جرى ذلك كلّه قبل عصر الكهرباء، وكان يُطلق على من يقوم بهذه المهمّة اسم «الدومري»، أو «الفوانيسي» في بعض المناطق العربيّة.
 

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما أصل كلمة «الدومري»؟

ذهب بعضهم إلى أنّ أصل هذا التعبير يعود إلى زوجين فرنسيّين كانا يتجوّلان ليلًا في الشوارع بصورة دائمة، واسمهما: «دو وماري» (Dou et Marie)، وأنّ عبارة «ما في دومري» تعني أنّ الزوجين ليسا موجودين على غير عادتهما.

إلّا أنّ هذا التفسير دُحض؛ لأنّ الزوجين، بحسب الرواية، كانا يتجوّلان ليلًا فقط، في حين أنّ المقصود من عبارة «ما في دومري» هو خلوّ المكان من الناس في أيّ وقت، ليلًا كان أم نهارًا.

ورأى آخرون أنّ أصل العبارة لغويّ، وأنّ «ما في دومري» مأخوذة من قولهم: «دونما امرئ»، أي من غير وجود أيّ إنسان، فيكون المعنى دالًّا على خلوّ المكان من الناس.

غير أنّ هذا التفسير، وإن بدا قريبًا من المعنى، يفتقر إلى الدقّة اللغويّة والتأصيليّة.

فبالتدقيق في أصل كلمة «الدومري» يتبيّن أنّها مشتقّة من «التؤمري». ومن المعروف لدى علماء اللغة العربيّة وجود ظواهر لغويّة عدّة، كالقلب والإبدال والإعلال والتخفيف والتهميز، وما يتبعها من تحوّلات صوتيّة في بنية الكلمات.

فمثلًا، كانت المدرسة الكوفيّة تميل إلى إثبات الهمزة في كلمات مثل: الكأس، والفأس، والرأس، وأبو نؤاس؛ بينما خفّفت المدرسة البصريّة الهمزة، فقالت: الكاس، والفاس، والراس، وأبو نواس.

كما شهدت العربيّة ظاهرة إبدال بعض الحروف تخفيفًا للفظ، ومن ذلك كلمة «ازدهر» التي يُقال إنّ أصلها «ازتهر»، ثمّ أُبدلت التاء دالًا لثقل النطق بها، فاستقرّت على الصورة المتداولة اليوم.

وعلى هذا القياس، تحوّلت كلمة «التؤمري» بفعل الإبدال والتخفيف الصوتيّ إلى «الدومري».

وبالعودة إلى معاجم اللغة العربيّة، نجد أنّ «التؤمري» تعني: الإنسان.

ومن هنا يتّضح المعنى الحقيقيّ لعبارة «ما في دومري»؛ أي: لا يوجد إنسان في المكان.

وهكذا تكشف لنا اللغة، مرّة جديدة، أنّ الكلمات التي نتداولها يوميًّا تخبّئ في أعماقها تاريخًا طويلًا من التحوّلات والدلالات، وأنّ العاميّة، مهما بدت بسيطة، ليست منفصلة عن جذورها الفصيحة، بل تحمل في طيّاتها آثار الزمن وحكمة الاستعمال. فخلف كلّ تعبير شائع حكاية، وخلف كلّ لفظة رحلة من الذاكرة واللغة والناس.

جنوبيات
أخبار مماثلة