يُحكى أنّه في زمن القهر والخذلان، وفي أيّامٍ مرّةٍ متلبّدة الألوان، أقدم رجلٌ عجوز على سرقة رغيف خبز ليسدّ به جوعه. فتمّ توقيفه واقتياده إلى قاضي المدينة الذي سأله عن فعلته.
فأجاب العجوز:
"أعترف بما فعلت، ولا أنكر ذلك على الإطلاق، لكنّني دُفِعت إلى هذا الفعل بسبب السغب والإعياء اللذين كنت أعانيهما. لقد كدت أموت جوعًا."
فردّ القاضي قائلًا:
"أنت تعلم أنّك ارتكبت جرم السرقة، وسأحكم عليك بدفع عشرة دراهم. وأعلم أيضًا أنّك لا تملكها، وإلّا لما سرقت رغيف خبز، لذلك سأدفعها عنك."
في تلك اللحظة، خيّم الصمت على مجلس القضاء، إذ شاهد الحاضرون القاضي يخرج عشرة دراهم من جيبه ويأمر بإيداعها في الخزينة تنفيذًا للحكم الصادر بحقّ العجوز.
ثمّ وقف القاضي ونظر إلى الحاضرين قائلًا:
"وأحكم على كلّ واحدٍ منكم بدفع عشرة دراهم، لأنّكم تعيشون في مدينة يُضطرّ فيها الفقير إلى سرقة رغيف خبز ليبقى على قيد الحياة."
وفي نهاية الجلسة، جُمِع مبلغٌ من المال ليس بالقليل، فأمر القاضي بمنحه للرجل العجوز، عسى أن يجد فيه ما يعينه على مواجهة قسوة الحياة.
فأين نحن اليوم من مثل هذا القاضي، في هذه المرحلة العصيبة التي نمرّ بها جميعًا، حيث يرزح قسمٌ كبير من الشعب اللبناني تحت وطأة الفقر والعوز والحرمان، فيما ينعم كثيرٌ من أهل السلطة والنفوذ بألوان البذخ والترف، وكأنّ ما يصيب الناس من ضيقٍ وانكسار لا يعنيهم في شيء؟
وأذكر هنا مقولة بليغة تُنسب إلى أحد الصالحين:
"إذا رأيت فقيرًا في بلدٍ تتجاذبه رياح القهر، فاعلم أنّ هناك غنيًّا سرق حقّه."
إنّ العدالة الحقّة لا تكتفي بمعاقبة الجائع إذا أخطأ، بل تبحث عمّن أوصله إلى الجوع أصلًا. فالمجتمعات لا تُقاس بعدد قوانينها وأحكامها، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان وحفظ حقّه في العيش الكريم. وحين يصبح رغيف الخبز حلمًا للفقراء، فإنّ المأساة لا تكون في سرقة الرغيف، بل في الظروف التي جعلت الحاجة أقوى من الخوف، والجوع أقسى من العقاب.