يُظهر التجول في قرية قانا جنوبي لبنان حجم الدمار الكبير الذي تعرضت له خلال العدوان الإسرائيلي الأحدث، لكنه يظهر أيضاً حجم العودة الكثيفة لأهلها الذين نزحوا قسراً إثر أوامر الإخلاء الإسرائيلية.
تشهد قرية قانا جنوبي لبنان عودة تدريجية لأهلها رغم التحديات المعيشية المتفاقمة، فضلاً عن المخاطر الأمنية المحدقة في ظل وجود قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي في القرى المحيطة، وتواصل العمليات العسكرية على مشارف القرية، في حين تسعى البلدية إلى إعادة تأهيل البنى التحتية وتأمين عودة الخدمات الأساسية.
تقع قرية قانا، والتي تُعرف أيضاً باسم قانا الجليل، في قضاء صور، على بُعد نحو 95 كيلومتراً جنوبي العاصمة اللبنانية بيروت، ونحو 14 كيلومتراً شرق مدينة صور، ويقدر عدد سكانها بنحو 18 ألف نسمة، ويحدّها من الشرق دير عامص، ومن الشمال عيتنيت، ومن الغرب حناويه، وجنوباً صدّيقين، ومن أشهر أحيائها، حارتا الفوقا والتحتا، وأحياء السيدة صالحة، والبركة، والخشنة، والخريبة، وحارة مار يوسف.
وتُعرَف القرية بأنها تجمّع كبير للأديان والطوائف، ولديها هالة من القداسة بين المسيحيين، إذ تُعرف أيضاً باسم "قانا الإنجيل"، ويُروى أنها شهدت إحدى معجزات السيد المسيح، وعرفت القرية مجزرة إسرائيلية شهيرة في 18 إبريل/نيسان 1996، أسفرت عن استشهاد 110 أشخاص، من بينهم 33 طفلاً، وأبيدت فيها عائلات كاملة بعدما لجأت إلى داخل مقرّ تابع لقوات الأمم المتحدة المؤقتة "يونيفيل" للاحتماء من القصف أثناء ما عُرف بعملية "عناقيد الغضب" العسكرية الإسرائيلية.
وفي 30 يوليو/تموز 2006، شهدت قانا مجزرة جديدة، إذ استهدف جيش الاحتلال مبنى مكونا من ثلاث طبقات في حي الخريبة، كان يحتمي به نازحون، ما أسفر عن استشهاد نحو 55 شخصاً، من بينهم عدد من الأطفال، كما شهدت خلال عدوان سبتمبر/أيلول 2024، سقوط عشرة شهداء.
وخلال العدوان الأخير، تعرّضت قانا لسلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية أسفرت عن نحو 16 شهيداً، وتدمير أكثر من 100 وحدة سكنية، وأضرار متباينة في المباني والمؤسسات التجارية والبنى التحتية، ولا تزال تشهد استقراراً هشاً في ظلّ وجودها على مقربة من بلدات محتلة بالكامل، أو يتحكم فيها جيش الاحتلال بالنار. ويؤكد الأهالي أنّ طائرات الاحتلال لا تفارق سماء بلدتهم، وأن أصوات القذائف والتفجيرات يصل صداها إليهم، خصوصاً من بيت ليف في قضاء بنت جبيل.
وعلى وقع التحليق المستمرّ للطيران المسيّر الإسرائيلي، تبدو الأضرار في قانا متفاوتة بين دمار كلّي وتهدم جزئي، وتعيش الشوارع هدوءاً حذراً وحركة خفيفة، في حين فتحت بعض المحال أبوابها، لا سيما تلك التي تبيع الخضروات والمواد الغذائية، بينما يواصل أصحاب محال متضرّرة أعمال الصيانة والترميم لاستئناف نشاطهم في أقرب وقتٍ.
يردد أهالي قانا العائدين أنهم سيبقون حتى لو افترشوا الأرض، أو ناموا فوق الركام، مؤكدين أن قرار العودة اتخذ بمجرّد الحديث عن تثبيت الهدنة، وأنهم سارعوا إلى بلدتهم، رغم أن البلدية طلبت منهم في 15 يونيو/حزيران الماضي، التريث في العودة لحين صدور إعلان رسمي يؤكد الوقف الشامل لإطلاق النار، خصوصاً أنّ جيش الاحتلال انتهك الاتفاقات الحاصلة مع الدولة اللبنانية أكثر من مرّة.
تجلس مريم مدني داخل محلها لبيع المواد الغذائية محتضنة ابنتها، وتقول: "عدنا بقلب قوي ورأس مرفوع، فقد كنا مشتاقون إلى بيوتنا وديارنا. تعرضت قانا لضربات قوية، وفقدت الكثير من الشهداء، والحرب كانت قاسية على الناس وأرزاقهم، لكننا عدنا بعزيمة أقوى، وسنبقى في أرضنا، وسنعمرها. الناس اشتاقوا لبيوتهم، وهذا ما يجعل الحركة شبه طبيعية، علماً أننا نسمع أصوات التفجيرات في القرى المحيطة، لكن الأوضاع في قانا مستقرة". وتؤكد مدني أن البلدية تقوم بأعمال الصيانة وتستكمل الأشغال اللازمة لتأمين الخدمات والمستلزمات الأساسية التي تساعد الناس على العودة، وتضيف: "رغم أن هناك بعض الصعوبات التي تواجه الناس لتأمين بعض المواد والسلع، خاصة أن هناك شاحنات لا يمكنها الوصول إلى البلدة، لكن البداية جيدة، والحركة مستمرة، ونأمل أن يبقى الوضع مستقراً كي يتحسن الحال تدريجياً".
يعمل حسين تاج الدين في تصميمات الألومنيوم، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن "حركة العمل ليست كما كانت بالطبع، فالوضع لا يزال متوتراً، والشغل خفيف، كما أن الوضع النفسي يتأثر بالأخبار، خاصة المتعلقة بالمنطقة المحيطة، وأيضاً بالمفاوضات الإيرانية الأميركية. أبرز التحديات الحالية يتمثل في توفير الكهرباء والمياه، فالكثير من السكان تضرّرت ألواح الطاقة الشمسية الخاصة بهم، لكن الإصلاحات مستمرة لإنهاء هذه المشاكل، إلى جانب المشكلات المرتبطة بشبكة الاتصالات".
تواصل فاطمة حلّال أعمال تجهيز محلّ صغير لبيع الألبسة، بعدما دمّر الاحتلال الإسرائيلي محلّها الأساسي، كما تعرّض بيتها لأضرار، ورغم اضطرارها للنزوح قسراً إلى بيروت بعد الدمار الذي تعرضت له قانا، فإنها تشعر بسعادة كبيرة لأنها تمكنت من العودة. وتقول: "هذه الحرب كانت قاسية في كلّ شيء، خاصة ظروف النزوح في المدارس، ومعظم الأهالي لم يتمكنوا من العودة، فهناك من خسروا منازلهم بالكامل".
بدورها، تقول كفاح عطية، إنّها خسرت محلها في عدوان 2024، وبعدها فتحت محلاً صغيراً كي تكسب قوت يومها، وتوضح: "عدت منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، والخدمات الأساسية شبه متوفرة في البلدة. الحياة تستمرّ، وعلينا السير قدماً، رغم أن ما عشناه كان صعباً. عدت إلى قانا لأنها بلدي، وفيها أرضي وبيتي، وقد قضيت معظم سنوات حياتي فيها. قانا تعني لي القرآن والإنجيل، وهي بركة المنطقة كلّها".
نجت فاطمة علي حكيم من عدة مجازر تعرضت لها قانا، وقد خسرت في عدوان عام 2024 أفراداً من عائلتها، ورغم كلّ الصعوبات والتحديات والمخاطر تفضّل البقاء في القرية، ومساعدة الناس على تأمين المواد الغذائية والسلع الأساسية كونها تملك متجراً في البلدة، وتقول: "قانا بلدنا، ومن الصعب ترك البيت والأرض. لا مشكلة لديّ بالاستشهاد، والمهمّ أن نبقى في أرضنا، فالتهجير مرفوض. أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان هو خسارة الأحبة، وهؤلاء من نبكي عليهم، وليس على الأرزاق، ففقد الأحبّة أصعب".
من جانبه، يؤكد رئيس بلدية قانا، علي عطية، لـ"العربي الجديد"، أن "الاعتداءات الإسرائيلية أسفرت عن تدمير ما يقارب 100 وحدة سكنية، وأكثر من 70 وحدة تجارية، بينما هناك نحو 20 منزلاً و15 محلاً تجارياً تعرضت لتهدم جزئي، فيما هناك 1200 وحدة أخرى تعرضت لأضرار متوسطة. في العدوان الإسرائيلي عام 2024، سجلت بلدتنا 29 شهيداً، وفي العدوان الأخير لدينا 16 شهيداً، لكن قافلة الشهداء لم تتوقف، فلا نزال تحت النار، ونتعرّض للعدوان يومياً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي باعتداءاته على الجنوب، ولو بوتيرة أقل وفي أوقات متفاوتة".
ويلفت عطية إلى أن "البلدية باشرت أعمالها في 14 يونيو/حزيران الماضي، ونوجد يومياً على الأرض لإزالة آثار العدوان، إذ لا يمكن محو آثار الحرب إلا بإزالة ركام الدمار. تعمل البلدية على إعادة شبكات الكهرباء والمياه والإنترنت إلى طبيعتها، وإزالة الردم وتنظيف الشوارع بما نملك من قدرات وإمكانات، وبالتعاون مع المجتمع المحلي، وأبناء البلدة المغتربين. معروف أن بلديات الجنوب تفتقر إلى المال اللازم للتعافي، لكننا نبذل كل الجهود لمساعدة أهلنا المتشبّثين بالأرض، والذين قرروا العودة منذ اللحظة الأولى لوقف العدوان، وقبل صدور القرار الرسمي بالعودة".
ويشدد رئيس بلدية قانا على أنها ليست بلدة عادية، إذ يشهد تاريخها بالصمود، ويقول: "قانا رمز نضالي في المنطقة، ونموذج وطني في التعايش بين أبنائها، وعدد سكانها كان يقترب من 25 ألفاً في موسم الاصطياف السنوي، فهي نقطة التقاء لكلّ القرى، ولديها تاريخ طويل مع الاعتداءات الإسرائيلية، خاصة في مجزرة عام 1996، والعدوان الأخير خلّف دماراً هائلاً أصاب أحياءها وبيوتها وبنيتها التحتية ومؤسساتها التجارية، وتضررت مقار رسمية مثل المدارس ومقر الأمن العام. لكن أبرز التحديات الحالية هو الطلب الكبير على الوحدات السكنية، خاصة من الأهالي الذين دمّرت منازلهم، ومن ضيوفنا النازحين من القرى الحدودية، مثل ياطر ورشاف وبيت ليف وكفرا وغيرها، بينما لا نستطيع تغطية هذا الطلب المتزايد".
يتابع عطية أن "الطيران الإسرائيلي لا يفارق السماء، ونسمع يومياً أصوات التفجيرات في القرى المجاورة، الأمر الذي يؤثر نفسياً على الجميع، ويخلف حالة من القلق والتوتر في ظل الواقع المرتبك الذي نعيشه. أتمنى أن تنشئ الحكومة خلية أزمة فعّالة لمساعدة البلدات الجنوبية، خاصة لناحية إزالة الردم وتأمين الخدمات الأساسية، فهذه أمور شديدة الأهمية من أجل إعادة الحياة إلى تلك القرى".