2 صفر 1448

الموافق

السبت 18-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم قرار البرلمان الأيرلندي يفتح جبهة جديدة ضد الاستيطان
قرار البرلمان الأيرلندي يفتح جبهة جديدة ضد الاستيطان
هبه بيضون
2026-07-18
قرار البرلمان الأيرلندي يفتح جبهة جديدة ضد الاستيطان

في الثامن من يوليو/تموز 2026 اتخذ البرلمان الأيرلندي قراراً تاريخياً بحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، كما ورد في تقرير المشهد الحقوقي في فلسطين الصادر عن منظمة القانون من أجل فلسطين (5–11 تموز 2026)، وهو قرار بارز داخل أوروبا يضع إسرائيل أمام تحديين متوازيين: اقتصادي وقانوني.

من الناحية الاقتصادية، يعني هذا القرار أنّ منتجات المستوطنات ستُمنع من دخول السوق الأيرلندية، وإذا توسعت هذه السياسة لتشمل دولاً أوروبية أخرى، فإنّ المستوطنات ستواجه خسائر مباشرة بتصدير منتجاتها الزراعية والصناعية، إضافة إلى فقدانها شرعية التعامل مع الشركات الأوروبية الكبرى التي تخشى مخالفة القوانين الجديدة. هذا يهدّد نموذج الاستيطان الذي يعتمد على دمج منتجاته في الأسواق العالمية لإضفاء طابع طبيعي على وجوده.

أما من الناحية القانونية، فإنّ القرار الأيرلندي يكرّس مبدأ أنّ المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي، ويحوّل هذا المبدأ إلى تشريع ملزم داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ما يفتح المجال أمام مساءلة الشركات المتعاملة مع المستوطنات ويجعلها عرضة لملاحقات قانونية أو عقوبات إذا استمرت بهذا التعامل. بهذا المعنى، فإنّ القرار لا يقتصر على كونه موقفاً سياسياً داعماً للفلسطينيين، بل هو خطوة عملية تُحوّل الموقف الأخلاقي والقانوني إلى ضغط اقتصادي وقانوني ملموس، ويكشف أنّ إسرائيل باتت تواجه تحدياً مزدوجاً: خسارة أسواق، وتعرض بنيتها الاستيطانية لمساءلة قانونية متصاعدة.

وقد حظي القرار بتغطية واسعة في الصحافة العالمية، حيث تناولته وكالة رويترز في تقريرها بتاريخ 26 أيار 2026، كما نشرته وسائل إعلام أوروبية كبرى مثل   RTÉ وأكّدته بيانات رسمية على موقع الحكومة الأيرلندية، وهو ما يعكس أنّ هذه الخطوة لم تكن مجرد مبادرة محلية، بل حدث سياسي وقانوني لفت أنظار المجتمع الدولي. 

ويُذكر أنّ هذا القرار لا يُعدّ معزولاً تماماً، إذ سبقت بعض البرلمانات الأوروبية إلى مواقف مشابهة، ما يجعل الخطوة الأيرلندية مكمّلة لمسار أوسع يتبلور داخل أوروبا تجاه منتجات المستوطنات.

هذه اللحظة، تمثّل فرصة استراتيجية للفلسطينيين لإطلاق حملات شعبية واسعة تستهدف برلمانات أوروبية أخرى لاعتماد سياسات مشابهة. يمكن أن تبدأ هذه الحملات بالمطالبة بمقاطعة موجهة لمنتجات محدّدة من المستوطنات، مع إبراز قصص إنسانية عن المزارعين الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم بسبب التوسع الاستيطاني. كما يمكن بناء تحالفات مع النقابات الأوروبية، سواء العمالية أو الطلابية، لإصدار بيانات مشتركة والضغط على البرلمانات الوطنية. الأدوات الرقمية بدورها تتيح إطلاق منصات تفاعلية تعرض بيانات دقيقة عن الشركات المتعاملة مع المستوطنات، وتمنح الجمهور الأوروبي إمكانية إرسال رسائل مباشرة إلى نوابهم، ما يحوّل التعاطف إلى فعل سياسي ملموس.

ولا يقل أهمية البعد الثقافي، إذ يمكن تنظيم أسابيع ثقافية فلسطينية في العواصم الأوروبية، تربط بين الفن والموسيقى والمنتجات الفلسطينية البديلة، لتقديم صورة إيجابية عن البديل الأخلاقي والاقتصادي. حتى فكرة المحاكاة البرلمانية يمكن أن تكون وسيلة مبتكرة لإشراك الشباب الفلسطيني والأوروبي في نقاشات رمزية حول مشاريع قوانين مشابهة للقرار الأيرلندي، ما يخلق وعياً سياسياً مبكراً ويعزّز الضغط على المشرّعين.

ولكي تكون هذه الحملات الشعبية فعّالة، لا بد أن تصل إلى دول الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر. يمكن تحقيق ذلك عبر التعاون مع الجاليات الفلسطينية المنتشرة في أوروبا لتكون جسراً بين الداخل الفلسطيني والمجتمعات الأوروبية، وعبر بناء شراكات مع منظمات حقوقية أوروبية لها حضور وتأثير داخل البرلمانات. كما أنّ الاستفادة من وسائل الإعلام الأوروبية، سواء التقليدية أو الرقمية، ضرورية لتوسيع دائرة الوعي بالقضية وربطها بالقرار الأيرلندي كنموذج ناجح. بهذا الشكل تتحول الحملات من مبادرات محلية إلى حركة ضغط عابرة للحدود، قادرة على دفع برلمانات أوروبية أخرى لاتخاذ قرارات مشابهة.

أما على المستوى الرسمي، فإنّ البرلمانيين الفلسطينيين في المجلس الوطني الفلسطيني مطالبون بالتحرك المنظّم لاستثمار هذه اللحظة. يمكنهم إعداد ملفات قانونية تُرسل إلى برلمانات أوروبية، تستند إلى القرار الأيرلندي كنموذج قانوني وسياسي. كما يمكنهم بناء شبكات علاقات مباشرة مع نواب أوروبيين وتشكيل لجان مشتركة لمتابعة القوانين ذات الصلة، إضافة إلى التنسيق مع الجاليات الفلسطينية في أوروبا لتكون جسر ضغط شعبي وسياسي يربط الداخل الفلسطيني بالبرلمانات الأوروبية.

إنّ الجمع بين العمل الشعبي والرسمي هو ما سيحوّل القرار الأيرلندي إلى تكملة مسار أوروبي أوسع نحو تجريم منتجات المستوطنات، وهو ما يعزّز مكانة القضية الفلسطينية في الساحة الدولية.
بهذا المعنى، فإنّ القرار الأيرلندي ليس مجرد انتصار رمزي، بل هو فرصة استراتيجية للفلسطينيين لإطلاق موجة جديدة من الحملات الشعبية والبرلمانية التي قد تغيّر قواعد اللعبة في أوروبا، وتفتح الباب أمام تحوّل ملموس في المواقف الدولية تجاه الاستيطان والاحتلال.

جنوبيات
أخبار مماثلة