6 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 22-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"من يدري"؟!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-22
"من يدري"؟!

يُحكى أنّ أحد الفلّاحين البسطاء فقد حصانه الوحيد الذي كان يعينه على أعمال الحقل. فجاء إليه جيرانه في المساء يواسونه قائلين: يا لها من مصيبة حلّت بك!

فاكتفى الفلّاح بأن هزّ رأسه وقال: ربّما... من يدري؟

وفي اليوم التالي عاد الحصان، ولم يعد وحده، بل صحب معه ستّة جياد برّيّة، فأدخلها الفلّاح إلى حظيرته.

فجاء الجيران يهنّئونه قائلين: يا له من خير أصابك!

فاكتفى الفلّاح بالجواب نفسه: ربّما... من يدري؟

وفي اليوم الثالث حاول الابن الوحيد للفلّاح ترويض أحد الجياد البرّيّة، فأسرجه عنوة وامتطى صهوته، غير أنّ الجواد الجامح قذفه إلى الأرض، فانكسرت ساقه.

فعاد الجيران يواسون الفلّاح قائلين: يا لها من مصيبة حلّت بك!

فقال بهدوئه المعتاد: ربّما... من يدري؟

وفي اليوم الرابع حضر ضابط التجنيد مكلّفًا من الحاكم بسوق شباب القرية إلى الخدمة العسكريّة، فأخذ كلّ من وجده صالحًا للجنديّة، وأعفى ابن الفلّاح بسبب كسر ساقه.

فعاد الجيران يهنّئون الفلّاح قائلين: يا له من خير أصابك!

وكعادته، هزّ الفلّاح رأسه وقال: ربّما... من يدري؟

نعم... من يدري؟ فما نعدّه اليوم خسارة قد يكون بابًا إلى نجاة، وما نظنّه مكسبًا قد يحمل في طيّاته ابتلاءً. إنّ الإنسان يرى ظاهر الأحداث، أمّا حكمة الله فتجري في خفاياها، وتنسج للعبد من حيث لا يحتسب أسباب الخير والرحمة.

ولذلك كان الرضا بقضاء الله، والصبر عند البلاء، وعدم الاغترار عند الرخاء، من علامات الإيمان وحسن التوكّل. فالأيام وحدها تكشف لنا ما غاب عن أبصارنا، وتعلّمنا أنّ لكلّ أمرٍ حكمة، وإن خفيت علينا حين وقوعه.

وصدق أحد الصالحين إذ قال: «ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك.»

وقال تعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.

صدق الله العظيم.

جنوبيات
أخبار مماثلة