لم يكن نسف الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر عملية عسكرية عادية، بل فعلاً انتقامياً وحشياً هزّ الأرض في أعماق عشرات القرى والبلدات، وألقى مدينة النبطية المأهولة في ليل من الهلع والرعب. فعندما تُزرع أطنان من المواد الشديدة الانفجار في جوف جبل، وتُفجَّر دفعة واحدة من دون أي اعتبار لسلامة المدنيين والمنازل والمنشآت، تسقط الذريعة العسكرية، وينكشف وجه جريمة جديدة بحق الإنسان والبيئة والسيادة اللبنانية.
لقد تصرفت إسرائيل وكأن الجنوب أرض بلا شعب، والنبطية مدينة مهجورة، وحياة عشرات الآلاف من اللبنانيين مجرد تفصيل هامشي في استعراض القوة والتوحش. فالدولة التي تحوّل جبلاً كاملاً إلى قنبلة موقوتة، ثم تفجّره قرب التجمعات السكنية، لا تنفّذ مهمة أمنية، بل تمارس إرهاباً منظماً يستدعي تحقيقاً دولياً في شبهة «جريمة حرب» مكتملة العناصر.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، استُخدم نحو 1100طن من المتفجرات الشديدة، وسُجل اهتزاز بقوة 4.4 درجات. ومهما احتاجت هذه الأرقام إلى تثبيت علمي رسمي، فإن المشهد استدعى الذاكرة السوداء لهيروشيما، لا من حيث التكافؤ التقني بين تفجير تقليدي وقنبلة نووية، بل من حيث عقلية القوة المتفلتة التي تبيح ترويع السكان وتدمير الجغرافيا، لفرض أمر واقع سياسي وعسكري. لم يكتفِ الجيش الإسرائيلي باحتلال المرتفعات، بل أن يمحو ما تحتها، ويرسل إلى الجنوبيين رسالة مرعبة مفادها أن الأرض نفسها أصبحت هدفاً.
ولا يجوز أن تمر هذه الجريمة ببيانات إدانة باردة. والمطلوب تحرك لبناني عاجل أمام مجلس الأمن والهيئات الدولية، وطلب تحقيق مستقل، وإجراء مسح جيولوجي وبيئي وهندسي شامل، لتحديد الأضرار المحتملة في التربة والمياه الجوفية والمباني، ولا بد من محاسبة إسرائيل على تعريض تجمعات مدنية كاملة لخطر لا يمكن تقدير نتائجه مسبقاً.
أما مرحلة «ما بعد علي الطاهر»، فلا تحتمل العودة إلى الأفكار القديمة. على مستوى المحور الإيراني، سقط موقع عسكري بالغ الأهمية من دون أن تتحرك شعارات «وحدة الساحات» لإنقاذه، بعدما استُخدم لبنان طويلاً ورقة في حسابات طهران الإقليمية. وعلى المستوى الداخلي، بات سؤال سلاح حزب الله أكثر إلحاحاً وقسوة: ما جدوى سلاح لم يمنع الاحتلال، ولم يحمِ الأنفاق، ولم يردع تدمير القرى، ولم يوفر على بيئته النزوح والموت والخراب؟
طرح هذا السؤال ليس تبرئة لإسرائيل، فهي المعتدي وصاحبة الجريمة والمسؤولة الأولى عن الكارثة، وليس شماتة بالمقاومين أو بأهلنا في الجنوب الذين دفعوا أفدح الأثمان. لكنه مطالبة بمراجعة وطنية شجاعة: إذا تحوّل السلاح خارج الدولة من وسيلة ردع إلى ذريعة دائمة للاجتياح والتدمير، يصبح الاحتفاظ به عبئاً على الوطن وعلى حامليه معاً.
بعد علي الطاهر، يجب أن تُقفل مرحلة الجبهات المستباحة والقرارات المنفردة. وحدها الدولة، بجيشها وقرارها السياسي وديبلوماسيتها، تستطيع أن تحوّل مأساة الجبل إلى بداية استعادة لبنان الهدوء والإستقرار، بدل أن تكون مقدمة لجبل جديد يُنسف فوق رؤوس اللبنانيين.