27 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 10-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة من يُحدّد سياسة لبنان الخارجية؟
من يُحدّد سياسة لبنان الخارجية؟
السفير الدكتور جان معكرون
2026-09-10
من يُحدّد سياسة لبنان الخارجية؟

 

نصّ الدستور اللبناني على السلطات التي تتولّى شؤون السياسة الخارجية ولقد ورد في المادة 52 : « يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة ولا تصبح مبرمة إلّا بعد موافقة الوزراء».

ونذكر هنا أن المعاهدات المبسّطة يبرمها مجلس الوزراء فتصبح نافذة من دون موافقة مجلس النواب، أما المعاهدات التي تنطوي على شروط متعلقة بمالية الدولة والتجارية والتي لا يمكن فسخها سنة فسنة فلا تبرمها الحكومة إلّا بعد موافقة مجلس النواب. ولقد جرى العرف على أن يتولى وزير الخارجية والمغتربين وبتكليف من رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وعلى أن يفوّضه مجلس الوزراء التوقيع عليها.

أما المحور الثاني الهام في السياسية الخارجية فهي الخطة السياسية والمواقف التي تعتمدها الدولة في تعاملها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية. ومن أهم عناصر هذه الخطة أهدافها الاقتصادية والتحالفات وحماية الحدود وجذب الاستثمارات وتأمين مصادر الطاقة... أما أدواتها فترتكز على الدور الفاعل للسفارات والمفاوضات والمعاهدات الدولية والمساعدات والقروض. ولا بُدّ هنا من مبادئ تستند إليها خطة السياسة الخارجية مثل الحياد والانفتاح على الدول الكبرى والمحافل الدولية والدول الغنيّة بالموارد الطبيعية.


وباختصار فإن السياسة الخارجية هي البوصلة التي تحدّد مع من نتحالف سياسياً ونتبادل تجارياً وكيف نتجنّب المخاطر ونحمي مصالحنا إضافة الى اعتماد الحكمة في تحديد مواقف الدولة من القضايا العالمية.

فهذه الأمور كلها تندرج في إطار خطة يتولى وضعها وزير الخارجية والمغتربين بمساعدة فريق عمله الدبلوماسي وبعد الاستئناس بآراء الوزارات كافة.

وحيث ان المادة 65 من الدستور قد نصّت على أنه من بين صلاحيات مجلس الوزراء « وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات» فمن الطبيعي والمنطقي ان تشمل السياسة العامة سياسة لبنان الخارجية.

وبما أن المادة 66 من الدستور نصّت على أن « يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويُناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة الى ادارته وبما خصّ به» ففي خضمّ وغمرة هذه النصوص القانونية المتشابكة لا بدّ من طرح السؤال الآتي:

ما هو دور وزير الخارجية في تحديد  سياسة لبنان الخارجية؟

يجدر القول أولاً كما أشرنا أعلاه أنه غالباً ما يتولّى وزير الخارجية التفاوض مع الدول الأخرى فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية بتكليف من رئيس الجمهورية. ولكي نكون أكثر دقّة في وصفنا للواقع نذكر أن صلاحيات وزير الخارجية والمغتربين في تحديد سياسة لبنان الخارجية تنبثق ليس فقط من النص الدستوري بل أيضاً من التقاليد والأعراف الدستورية والدبلوماسية. فهو ليس وزيراً كغيره من الوزراء لأن جميع علاقات الوزارات مع الدول الأجنبية والمنظمات الدولية تمرّ عبر وزارة الخارجية ليس فقط لإبداء الرأي بل أيضاً للتوجيه القانوني وتأمين التواصل والتفاعل البنّاء والسليم مع الدول الأخرى. ومن البديهي القول أن كل وزير مختص بشؤون وزارته ومن مفترضات الواقع السياسي أن يكون وزير الخارجية بفعل موقعه خبيراً في شؤون وزارته وضليعاً بتفاصيلها ودقائقها وعلى دراية واسعة بكل ما يجري فيها وبكل مصالح الوزارات مع الخارج. وإذ صدف أن كانت خليفته المهنية دبلوماسية فهذا يعزّز موقعه في رسم السياسة العامة.

وكان Hans Morgenthau مؤسس الواقعية السياسية في العلاقات الدولية في القرن العشرين قد تحدّث عن دور وزير الخارجية قائلاً:

«His role is to objectively evaluate and protect the national interest through the sober lens power politics» أي أن مهمة وزير الخارجية تتمثّل في تقييم الأمور بموضوعية والدفاع عن المصلحة الوطنية من منظور متّزن يستند الى منطق توازنات القوة في السياسة الدولية.

كما أكد « مورغانتو» أن المسؤولية الأساسية لوزير الخارجية تتجلّى في تحديد أهداف الدولة حصراً وفقاً للمصلحة الوطنية وحدها ولا سيّما الأمن القومي وسلامة الأراضي وضمان أن تكون هذه الأهداف مدعومة دائماً بقدر كافٍ من القوة».

ورُبّ سائل يسأل: كيف يمكن لأعضاء مجلس الوزراء أن يضعوا سياسة الدولة الخارجية وهم ليسوا قريبين، حتى لا نقول بعيدين، من شؤون الدولة الخارجية وعلاقاتها الدبلوماسية. في حين أن وزير الخارجية هو الوزير المؤهل أكثر من غيره لوضع سياسة الدولة الخارجية بكل أبعادها الإستراتيجية والجيوسياسية. بقي علينا أن نشير إلى أنه عندما يضع وزير الخارجية والمغتربين خطّة لسياسة لبنان الخارجية فأنه من المسلّم به أن تخضع الى التنقيح والتدقيق من قبل رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. والحق يقال أن مناقشة هذه الخطّة من قبل الوزراء تحمل في طيّاتها وتخفي في داخلها قيام كل وزير بالتعبير عن موقف طائفته أو حزبه السياسي تجاه هذه الخطّة.


من جهة أخرى تجدر الإشارة إلى أنه من أهم خصائص صلاحية وزير الخارجية أن يصدر بيانات وتصريحات صحفية تعبّر عن خطّته وعن مواقفه من مجمل القضايا في مجال اختصاصه وهو الأولى بذلك علماً أننا رأينا العديد من الوزراء المتولّين حقائب أخرى لا يتوانون عن إصدار وإطلاق تصريحات متعلقة بسياسة لبنان الخارجية.

وختاماً لا بدّ من الإشارة إلى ما جاء في المرجع الدبلوماسي المعروف Satow’s Guide to Diplomatic Practice حول تطوّر مفهوم الدور التقليدي لوزير الخارجية الذي لم يعد يقتصر فقط على المعرفة الدقيقة بالمصالح التجارية بين الدول وبمواردها الطبيعية وعلى الاكتفاء بالتعامل الإداري مع المنظمات الإقليمية والدولية وبالقضايا الدبلوماسية العادية بحيث ارتقى هذا الدور إلى مستوى التخطيط للمستقبل واستشرافه مع الحرص على تجنّب المخاطر واستثمار الفرص والفوائد.

At the present day the duties and responsibilities of the minister who is entrusted with the conduct of the foreign relations of his country range over a yet wider field than when the above was written.

أي في يومنا هذا، أصبح نطاق واجبات ومسؤوليات الوزير الموكل اليه تسيير العلاقات الخارجية لدولته أوسع بكثير مما كان عليه سابقاً.

* دكتور في القانون العام

جريدة اللواء

أخبار مماثلة