كما حال عشرات القرى والبلدات الجنوبية في لبنان، كان لبلدة الرمادية حصّة كبيرة من الوحشية الإسرائيلية، إذ يتحدث السكان عن واقع منكوب وسط الدمار والأضرار التي طاولت البنى التحتية وعطّلت الخدمات الحيوية.
لحظاتٌ صعبة عاشها أهالي بلدة الرمادية في قضاء صور جنوبي لبنان إبّان العدوان الإسرائيلي في 2 مارس/آذار الماضي، وقد يكون أكثرها قسوةً اضطرارهم إلى ترك أرضهم قسراً بعدما تصاعد القصف الإسرائيلي، وهو بالذات ما يدفعهم إلى العودة سريعاً عند كل هدنة أو وقفٍ لإطلاق النار، رغم المخاطر الأمنية والدمار الواسع الذي لحق بمنازلهم وأرزاقهم.
وتماماً كما حال عشرات القرى والبلدات الجنوبية، كان لبلدة الرمادية حصّة كبيرة من الوحشية الإسرائيلية التي طاولت الأرض والمساحات الخضراء في بلدةٍ تشتهر بطبيعتها الخلّابة، حيث تحدّها من الشرق والشمال الشرقي بلدة قانا، ومن الشمال بلدة حناويه، ومن الغرب بلدتَا الكنيسة والشعيتية، ومن الجنوب جبال البطم وصدّيقين، وتبعد عن العاصمة بيروت 90 كيلومتراً وترتفع عن سطح البحر 280 متراً.
يصف أهالي الرمادية وضع بلدتهم بـ"المنكوبة" في ظلّ صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه بعد الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية، رغم أنّ البلدية سارعت إلى البدء في أعمال الصيانة ورفع الركام من أجل تسيير أمور العائدين. ويشدّد عدد من الأهالي على أنّ جهوداً كبرى تبذلها البلدية، بمساعدة بعض الجمعيات، من أجل إعادة مقوّمات الحياة الأساسية إلى البلدة، خصوصاً أنّ العودة إليها كانت سريعة، فهذا كان الهمّ الأساسي لدى الأهالي، وسط آمال معقودة على أن تنظر السلطات الرسمية إلى وضعهم، وتُعوّض عليهم في ظلّ الأضرار الكبرى التي طاولت ممتلكاتهم وتكاليف إعادة الإعمار التي لا قدرة لهم على تحمّلها بمفردهم.
وخلال جولة في داخل البلدة، يمكن رصد حجم الدمار الذي لحق بالرمادية، سواء على صعيد المباني المتضرّرة، كلياً أو جزئياً، أو على صعيد الطرقات وخدمات المياه والكهرباء والاتصالات، في مشهدٍ يقابله إصرار العديد من السكان على المبيت في منازل لم تعد آمنة للعيش، أسقفها ونوافذها وأبوابها متضرّرة، فيما سارع كثيرون إلى فتح محالهم بالتزامن مع بدء أعمال الصيانة فيها، علّهم يستأنفون نشاطهم للصمود بعد أشهرٍ من الإقفال وخسارة مصدر العيش.
من داخل منزله، حيث غطّت جدرانه صور شهداءٍ من أفراد عائلته سقطوا في العدوان الإسرائيلي الأخير، يتحدّث الحاج ناظم برجي عن أنّ "هذه الحرب كانت حرباً كونية، حيث اجتمعت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ومعها دول غربية علينا، ولم نشهد لها مثيلاً بالدمار وآلات القتل والإجرام"، مشيراً إلى أنّ "ما فعلته إسرائيل، هذه الدولة الخبيثة لا أحد يمكن أن يفعله، لا أحد لديه ضمير يمكن أن يفعل ما فعلته إسرائيل". برجي الذي عايش حروباً إسرائيلية على مرّ تاريخها في لبنان، يؤكّد أنّ البلدة برمّتها منكوبة، إذ خسرت الرمادية شهداء، وتضرّرت فيها منازل وممتلكات وأرزاق، "لكن كلّ ذلك لا يهمّنا، ولا يساوي ظفر شابّ خسرناه".
بدوره، يقول مصطفى برجي، والد الشهيدين محمد جواد وزين العابدين: "متمسّكون بالأرض، فهذه ورثناها أباً عن جدّ، ورثنا النهج والانتماء والتعلّق بالأرض، فلا بديل لنا غيرها". وكان مصطفى، الأب لستّة أولاد، قد اعتُقل من قبل الاحتلال الإسرائيلي في اجتياح العام 1982، وبقي قرابة عامٍ وثلاثة أشهر في السجون الإسرائيلية، منها في معتقل أنصار الذي أقامته إسرائيل إبّان احتلالها للجنوب، وكذلك في معتقل عسقلان بمدينة عسقلان المحتلة قرب قطاع غزة. وإذ يستذكر وحشية التعذيب الذي تعرّض له رفقة المعتقلين، والعبارات النابية التي كانت تُطلق بحقّهم، بقصد إذلالهم، يشدّد على أنّ إسرائيل كانت وستبقى هي نفسها، وطالما بقيت موجودة، "فجسدنا لن يكون بخير".
ويشير مصطفى إلى أن "بلدة الرمادية مثل غالبية البلدات والقرى الجنوبية كانت تعيش رفاهية، حيث كانت تتوفّر فيها كلّ مقومات الحياة، وبقي أهلها متمسّكين بها وصامدين فيها، وهذا ما يحاول الإسرائيلي دائماً سلبه من الأجيال الصاعدة"، لافتاً إلى أنّ الأهالي عادوا، رغم كلّ الأضرار التي أصابت أراضيهم وأرزاقهم، ورغم التحديات والمخاطر الأمنية والنيات الاستعمارية لدى الاحتلال.
من جانبه، يتحدّث العمّ نجيب عن تحديات العودة، هو الذي يعيش مع عائلته في منزله رغم الأضرار التي لحقته من جراء الاعتداءات الإسرائيلية، فالنوافذ التي خسرت زجاجها استُبدلت بأكياس نايلون، والأسقف تعرّضت بدورها لأضرار، لكن "لا مكان آخر للذهاب، ولا مكان أفضل من أرض الإنسان، رغم الصعوبات"، وفقاً لقوله. ويأسف كون الدولة غائبة، ومقوّمات الحياة الأساسية غير موجودة، والمصاريف مرتفعة جداً، ويقول: "نحاول تسيير أمورنا، وإصلاح الأضرار على حسابنا".
وبالتوقف عند واقع بلدة الرمادية، يقول عضو البلدية وأمين صندوقها، كرم ناصر الدين، إنّ الرمادية "بلدة مقاومة عبر التاريخ، تعيش على قلبٍ ونبضٍ واحد، وسكانها متعلّقون بأرضهم، ومتمسّكون بها". ويشير إلى أنّ عدد سكان الرمادية يقارب أربعة آلاف، لكن الناخبين بحدود 2700، وهناك عائلات عدّة مغتربة، لافتاً إلى أنّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة خلّفت كثيراً من الدمار والأضرار، حيث تعرّضت 40 وحدة سكنية إلى هدم جزئي أو كلّي، إلى جانب سقوط 15 شهيداً.
ويلفت ناصر الدين إلى أنّ البلدية تقوم بجهود كبيرة لتسيير أمور المواطنين، خصوصاً الذين عادوا إليها، بحيث يتركز العمل على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء، وإصلاح البنى التحتية، كاشفاً عن غياب أيّ اهتمام للدولة تجاه البلدة. ويتابع: "لا تزال التحديات والمخاطر الأمنية موجودة، فهناك قرى مجاورة لبلدة الرمادية لا تزال محتلة، وتتعرّض للاعتداءات، مثل المنصوري، آملاً في أن تراجع السلطة نفسها وتعود إلى حضن شعبها ووطنها.
وتتّخذ البلدية إجراءات عديدة لحماية المواطنين، من بينها منع إطلاق النار بشكل قطعي خلال تشييع جثامين الشهداء، منبّهةً إلى أنّها ليست مسؤولة عن أيّ شخص يخالف هذا القرار، وأنّها تُخلي مسؤوليتها الكاملة عن أيّ أضرار تلحق بالأشخاص أو المنازل نتيجة إطلاق النار، لما يسبّبه ذلك من أذى وخطر على المواطنين.