اختارت الشابّة اللبنانية ستيفاني القارح مهنة غريبة عن عالم المرأة، فكان أن أتقنت الحلاقة الرجالية منذ عام 2012 وتناغمت مع قصص الرجال. صمدت ابنة المختار في بلادٍ لم ترحمها التقلبات، وبرعت رغم التحديات.
بكلماتٍ وجيزة تستقبل ستيفاني القارح زبائنها من الرجال والشبّان والأطفال، في صالون الحلاقة الرجالي الكائن بمنطقة بعبدا شرقي بيروت، حيث كتبت على باب المدخل عبارة "تقبرني إمّي، بيّن وجّك (بات وجهك أكثر وضوحاً وإشراقاً)، وهي عبارة لبنانية تعكس محبّة الأم لابنها وسعادتها بقصّة شعره وحلاقته التي أظهرت مُحيّاه. تستقلُّ ستيفاني، الشابّة الثلاثينية، دراجتها النارية يومياً من بلدتها كفرشيما التي تبعد بضع دقائق عن منطقة بعبدا، تضع كلبتها "ديفا" خلفها داخل حقيبة مكشوفة الرأس ومحمولة على كتفَيها.
تصل عند ساعات الصباح، تفتح باب صالونها، ليبدأ يومها مع مهام قصّ الشعر والشوارب وحلاقة الذقن وتحديد اللحية وخط العنق، وإزالة شعر الخدّين بشرائح الشمع وتصفيف شعر الرأس والعناية بالبشرة والأظافر، ولا ينتهي مع أحاديث من هنا وهناك، وسرديّات الرجال والشبّان، وقصصهم ومغامراتهم، قبل أن تسدل الستار مساءً على نظرياتٍ ودروسٍ استخلصتها بعد نهارٍ طويلٍ وشاقّ.
بدأت ستيفاني أو "Steph" (سْتَفْ) كما يناديها زبائنها مهنةً تُعدّ في مجتمعاتنا وموروثاتنا "حكراً" على الرجال، قبل أن تثبت العكس. ففي العام 2012 كان صديق ستيفاني في حاجة إلى مَن يساعده في صالون الحلاقة الرجالي الكائن ببلدة كفرشيما، قبل أن تقرّر الأخيرة مساعدته.
تُخبر ستيفاني "العربي الجديد" كيف عملت في ذلك الصالون لمدّة ستّة أشهر، لاقت خلالها ردات فعلٍ إيجابية ومشجّعة من قبل الأهالي الذين كانوا يردّدون على مسامعها عبارات من مثال: "برافو، كثير حلو، الشابّات في أوروبا يُتقنّ هذه المهام والوظائف، ومن الجيّد أنّكِ تتعلمين هذه المهنة". وتضيف: "في ذلك الوقت، لم أكن أفكّر إطلاقاً بالحلاقة وقصّ الشعر، إنّما أردتُ فقط مساعدة صديقي. وبعد ذلك، تنقّلتُ من عملٍ إلى آخر، حيث عملتُ في متجرٍ للساعات، وقضيتُ سنواتٍ طويلة في مجال المطاعم والفنادق، سواء في دبي أو لبنان. وبعد عودتي إلى البلاد، قرّرتُ متابعة دراستي والحصول على إجازة جامعية تُمكّنني من تقاضي راتب أفضل".
تخصّصتْ ستيفاني في إدارة الرياضة ودرستها في الجامعة الأنطونية في بعبدا، وكانت حينذاك بعمر 27 عاماً. توظفتْ لاحقاً في أحد النوادي الرياضية، وكان راتبها يفوق الألف دولار أميركي، لكنّها أرادتْ أن تتحرّر من العمل تحت أيادي الناس، وأن تفتتح عملها الخاص. فكان أن تركتِ النادي الرياضي، والتحقتْ بمعهدٍ لتعلّم الحلاقة الرجالية وتطبيقها من خلال قصّ شعر أطفالٍ أيتام وشعر شبابٍ داخل مؤسسات اجتماعية. عملتْ لدى أكثر من حلاق رجالي واكتسبتْ منهم الخبرة، حتى إنّ زبائنها قصدوها أينما ذهبتْ.
وتقول ستيفاني: "بدأتُ فعلاً من الصفر، اشتريتُ كلّ مستلزمات الصالون بالتقسيط، وسدّدتُ أقساط المعهد على دفعات. كنتُ أجني طيلة الأسبوع 50 ألف ليرة لبنانية (أقلّ من 35 دولاراً قبل انهيار العملة الوطنية). وبعد ذلك بشهرين فقط، تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان وبدأت الأزمة المالية، وباتت قيمة الـ50 ألف ليرة لا تكاد تساوي 15 دولاراً في ذلك الوقت (اليوم تساوي نصف دولار). وفي نفس الأسبوع الذي فتحت فيه الصالون، كان الدولار يساوي 30 ألف ليرة، وفوراً قفز إلى نحو 100 ألف، لكن بفضل دعم زبائني تمكنت من الصمود رغم كل الأحداث التي شهدتها البلاد. وخلال الحرب الراهنة، كانت الصواريخ الإسرائيلية تتساقط أمام الصالون، ولكنّ ذلك لم يمنعني عن مواصلة العمل، وكان الزبائن يأتون من المنطقة والجوار ومن أماكن بعيدة، إيماناً منهم باحترافيتي ودقة عملي وشغفي بالمهنة".
وتتابع: "منذ أربعة أعوام كان الصالون عبارة عن جدرانٍ بيضاء وكنبة وكرسيّين، قبل أن أصل إلى هذه السمعة اليوم. حتى إنّ زبائني يسوّقون لي، والطريف أنّ بعض النساء من أمهات وزوجات وخطيبات، كنّ هنّ مَن أرشدن رجالهنّ وأبناءهنّ إلى صالوني، مع أنني كنتُ أتوقع غَيرة ومشاكل. كما أنّ جاراتي قمنَ بحملة تسويق رهيبة في المنطقة، حتى إنّني شكّلتُ حافزاً لعددٍ من الشابّات اللواتي ساعدتهنّ في إتقان المهنة".
جازفت الشابّة اللبنانية بمهنةٍ غريبةٍ عن عالم المرأة ومجالات عملها، وفي بلدٍ لا تنتهي أزماته وأحداثه الأمنية، لكنّها تمكّنت من الإبداع والتميّز. وبعد تسعة أعوامٍ على افتتاحها صالون الحلاقة الرجالية، تتنقّل بين زواياه، تستقبل زبائنها ببسمةٍ وخفّة دمٍ، تمازحهم وتسأل عن أحوالهم، بينما تتولّى ابنة خالتها غسل شعر الزبائن. وتقول ستيفاني: "حديث الصالون مرآةٌ لواقع لبنان، من السياسة إلى الحرب، وخطط الشبّان لعطلة نهاية الأسبوع، أو سؤال الزبون عن عائلته وأولاده وأعماله أو سفرته ومشاريعه. بمعنى آخر، أشعر أنّ من واجبي متابعة أخبارهم ومستجداتهم، فالحلاق يسمع كل قصص الزبون وأخباره ومشاكله وهمومه، وكأنه صار من أهل البيت".
تختلف الفئات العمرية لزبائن ستيفاني من عمر ثلاثة أشهر إلى 83 عاماً، منهم مَن تقصّ له تسريحة محدّدة تناسب يوم تخرّجه أو زفافه، ومنهم من يتطلّب أسلوباً خاصاً في التعامل، ولا سيّما الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى التوحّد.
وتقول: "تتحوّل الحلاقة إلى مستشارة ومتخصّصة في كل المجالات؛ فمع الصغار الذين يبكون ويخافون من المقص وصوت ماكينة الحلاقة، أضع يدي على رأس الولد، وأشغّل الماكينة بجانب أذنه، أشرح له آلية عملها وطبيعة صوتها، في محاولة لتهدئته، وأشجعه بالقول له إنّه بعد ذلك سيقصّ شعر والده. ومع الزبون السمين أكون متخصّصة في التغذية، وعند محادثة سائق التاكسي أتخيل نفسي مكانه، وكذلك الحال مع الميكانيكي أو الصياد، وكأنّني معالجة نفسية أو مستشارة لخطواتهم مع حبيباتهم، لنوع الهدية، لتصرفاتهم وخططهم المستقبلية، يفضفضون لي أسرارهم وحكاياتهم الغرامية، ويطلبون مني النصائح".
تمازح ستيفاني أحد الزبائن الذي يقصدها للمرة الأولى، قائلةً: "انظروا كيف انقطع نفسه، وبدأ بالتعرّق، فقط لأنّ شابّة تقصّ له شعره وشواربه". وفي الجهة الثانية يجلس زبون آخر يسألها عن سيارتها وتاريخ صنعها، فتجيبه: "موديل 2001، أقدم منك سيارتي، إنتَ أيّ موديل؟". وتقول إنّ الشبّان يخبرونها عن العشق والحب، وكبار السنّ عن ندمهم على الزواج وعلى قراراتٍ عديدة في حياتهم. أمّا جيل الخمسين والستين، فما زالوا ضمن ما يُطلق عليه "جهلة الأربعين". غير أنّ العمل مع الشبّان والرجال يبقى أسهل، بنظرها، رغم صعوبة هذه المهنة، ولا سيّما في بلادٍ نسمع منذ صغرنا أنها تقف على كفّ عفريت.
كانت ستيفاني بعمر 13 عاماً عندما بدأت العمل بشكل عام، وبعمر 18 عاماً عندما توفيت والدتها، واضطرّت إلى تحمّل مسؤولية تربية إخوتها الأربعة الأصغر منها. هي ابنة المختار، حيث انتُخب والدها للمرة الثانية لهذا المنصب في مايو/أيار 2025. وكان من أوائل الداعمين لها.
وتتابع: "اكتشفتُ راحتي النفسية من خلال عملي في هذه المهنة التي أعشقها، وقد منحتني آراء الزبائن حافزاً إضافياً، رغم أنني واجهتُ بعض الأشخاص الممتعضين من وجود شابّة في صالون حلاقة رجالي، خصوصاً من قبل بعض كبار السنّ، لكنّني كنتُ أركّز دائماً على التعليقات الإيجابية، ولم أقبل أن يقف أيّ شيء أمام أحلامي وطموحاتي، لا حالة اقتصادية ولا سياسية ولا موروثات مجتمعية. فما من مهنة محدّدة فقط بالشبّان إلا ما يتطلب بنية جسدية قوية، عدا ذلك لا ينبغي الاستسلام لمفهوم العيب وكلام الناس وصيت البنت وخلاف ذلك. وها نحن نجد الشابّات اليوم سائقات تاكسي وعاملات في مجال نجارة الخشب وميكانيك السيارات وغيرها من المجالات".
35 عاماً قضتها ستيفاني تكافح في هذه الحياة، تلهث خلف أحلامها، تمارس أنواعاً مختلفة من الرياضة، سواء المشي أو السباحة. لم تتذمّر يوماً من مسؤولياتها تجاه عائلتها، وكأنّ لقب "ابنة المختار" يرافقها في يومياتها، ويُبحر فيها بعيداً عن الحلاقة إلى عالم الاستشارات والمحادثات وحلّ مشاكل الرجال والشبّان أسوةً بوالدها.