لا تعير إسرائيل اهتمامًا للدولة اللبنانية ولا بمفاوضيها، بل تخوض سباقًا متسارعًا بين جلسة المفاوضات السابعة، المقرر عقدها بين 4 و6 من الشهر الجاري في روما، والتفجيرات الضخمة التي تواصل تنفيذها بوتيرة تصاعدية، بحيث يشعر بها السكان كأنها زلزال تهتز الأرض تحت وطأته، ويتطاير غبارها ليتحول إلى هواء ملوث.
إلى روما سيتوجه وفد سياسي - عسكري يرأسه السفير السابق سيمون كرم، حيث سيحاول لبنان طرح تنفيذ المرحلة الثانية من المناطق التجريبية وانتزاعها من إسرائيل، علمًا أن المرحلة الأولى كانت، بحسب الرؤية اللبنانية، شكلية ولم تؤدِّ إلى تسليم إسرائيل الأراضي المحتلة وفق ما كان متفقًا عليه. كما سيطرح الوفد الخروقات الإسرائيلية والتفجيرات المستمرة، وسيكون بيان الجيش اللبناني بشأن العقبات التي تعترض تنفيذ مهامه نتيجة الممارسات الإسرائيلية موضع بحث.
وبينما يستعد لبنان لجولة تفاوض جديدة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد زار واشنطن، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبعد الزيارة مباشرة، فتحت إسرائيل باب التفجيرات على مصراعيه، ونفذت بسرعة ما كانت، بحسب هذا الطرح، تؤجله خلال فترة الزيارة.
ثمة خشية حقيقية من أن تتحول مفاوضات لبنان مع إسرائيل إلى مجرد وسيلة لتقطيع الوقت حتى انتخابات الكنيست في تشرين الأول، وحتى ذلك الحين تستمر إسرائيل في عدوانها، طالما أنها تشترط سحب السلاح مقابل الانسحاب من الأراضي التي تحتلها.
سيناريو غزة نفسه تحاول إسرائيل تطبيقه في لبنان، من خلال طبيعة العدوان وتجريف الأراضي بعد هدم المنازل. فهي تريد جنوب لبنان على شاكلة غزة، وصولًا إلى الخط الأصفر الذي حددته كحدود أمنية، والمناطق التجريبية، تمهيدًا لفرض معادلة تقوم على سحب السلاح مقابل الانسحاب ووقف الاغتيالات. لكن إلى أي مدى يمكن لمثل هذه الصيغة أن تنطبق على سلاح حزب الله؟ وهل سيقبل الحزب، كما قبلت حماس، بهذه المعادلة، وليس العكس؟
نظريًا، يمكن لإسرائيل أن تطرح هذا الشرط، لكن قبول حزب الله بهذه المعادلة يتطلب توافر أربعة عناصر مجتمعة:
1. انسحابًا إسرائيليًا حقيقيًا من جميع الأراضي التي يعتبرها لبنان محتلة.
2. وقفًا دائمًا للاعتداءات، وعدم الإبقاء على "منطقة أمنية" أو أي شكل من أشكال الاحتلال المقنع.
3. ضمانات دولية جدية لأمن لبنان، لا مجرد تعهدات سياسية.
4. توافقًا لبنانيًا داخليًا على آلية انتقال السلاح إلى الدولة ودور الجيش.
وفي حال غاب أحد هذه العناصر، فمن المرجح أن يرفض الحزب هذه المعادلة، باعتبارها نزعًا للسلاح من دون مقابل.
ومن زاوية الدولة اللبنانية، إذا نجحت صيغة غزة بالفعل، فمن الطبيعي أن يزداد الضغط الدولي لاعتماد منطق مشابه في لبنان، إذ سيقول المجتمع الدولي: إذا أمكن ربط الانسحاب بنزع السلاح في غزة، فلماذا لا يُطبق مبدأ مماثل في لبنان؟
غير أن ثمة فارقًا أساسيًا؛ ففي لبنان لا يمكن لأي تسوية أن تنجح إذا بدت كأنها اتفاق بين إسرائيل وحزب الله فقط. فأي حل مستدام يحتاج إلى أن تكون الدولة اللبنانية الطرف المركزي، بحيث يصبح الهدف النهائي ليس مجرد نزع السلاح، بل استعادة الدولة احتكارها الشرعي للقوة على كامل أراضيها، بالتزامن مع إنهاء أي احتلال أو اعتداء إسرائيلي، وضمان السيادة اللبنانية. وهذا هو الفارق البنيوي بين الحالتين.
في المقابل، يرفض حزب الله مجرد هذه الفرضية، ويتحدث عن فارق شاسع بين لبنان وغزة يمنع القبول بهذه الصيغة. فغزة ليست كلبنان، وطبيعتها الجغرافية مختلفة، ثم إنَّ إسرائيل لم تُبقِ فيها شيئًا فوق الأرض، وهي منطقة محاصرة بالكامل. ويؤكد الحزب، بحسب أوساطه، أنه لا يزال يراهن على أن يكون لبنان بندًا أساسيًا في أي اتفاق أميركي - إيراني، وأن نتائج المواجهة الراهنة ستقود حتمًا إلى اتفاق سينعكس على الوضع في جنوب لبنان.
ويؤكد حزب الله أن المعركة باتت واحدة مع الولايات المتحدة، ويرفض بصورة قاطعة تسليم السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان. كما تشير أوساطه إلى أن البحث في السلاح جنوب نهر الليطاني ممكن، أما شمال النهر فيرتبط باستراتيجية أمن وطني شاملة، ولذلك تبدو، من وجهة نظره، المقاربة مختلفة بين غزة ولبنان.
وفي المقابل، تؤكد مصادر دبلوماسية أن لبنان تلقى عرضًا نُقل إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن سلاح حزب الله، وما الذي يمكن أن يقبل به الحزب مقابل تسليمه. إلا أن أوساط الحزب تنفي أن تكون قد نوقشت معها أي صيغة تتعلق بالسلاح، وتؤكد أن بري لن يطرح أصلًا مثل هذا العرض، ولن يبدي استعدادًا لمناقشته في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
وتشدد هذه الأوساط على أن وجود الاحتلال يعني بقاء السلاح، وأن الحزب بات يرفض حتى مجرد مناقشة هذا الملف مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، في ظل انعدام التواصل بين الطرفين ووصول العلاقة إلى أسوأ حالاتها. وبات من الممكن الحديث عن اختلاف في المقاربة بين حزب الله والرئيس بري في ما يتعلق بالعلاقة مع عون، وهو ما ظهر في التحفظ على الزيارة التي جاءت، وفق هذا الطرح، كرد جميل على المواقف التي أُطلقت تجاه بري في البيت الأبيض، والتي دفعته إلى زيارة قصر بعبدا قبل أيام من جلسة المفاوضات السابعة.
ويعوّل بري على مسار إسلام آباد، لكن ليس بالقدر الذي يعوّل عليه حزب الله. وبينما يرفض الحزب المفاوضات المباشرة من حيث المبدأ، فإن بري لا يرفض أي نتائج قد تفضي إليها، حتى لو جاءت عبر مفاوضات مباشرة.
وهكذا، تبدو المفاوضات كأنها تدور بين معادلتين متقابلتين: إسرائيل تسعى إلى ربط الانسحاب بنزع السلاح، فيما يصر حزب الله على ربط أي بحث في السلاح بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات. وبين المعادلتين، تحاول الدولة اللبنانية أن تفرض نفسها طرفًا مركزيًا في أي تسوية، بحيث يكون الهدف النهائي استعادة سيادتها الكاملة واحتكارها الشرعي للقوة على جميع أراضيها، لا مجرد إدارة تفاهم جديد بين إسرائيل والحزب.